لمن يتباهى بكمّ ما قرأ من القرآن … أرجو أن تقرأ كلامي هذا… !

سنواتٌ وأنا أقاوم إغراء السهل، وأُصرّ على صعود المعنى… وأرفض أيّ حكم ينطلق من سماكة القشرة الظاهرة وبريقها الأخّاذ …

لا أسأل أحدا عن “عدد الأجزاء ” التي حفظها من القرآن ، بل عما غيّر فيه ذلك الحفظ وكيف كانت طريقته في التلقّي…

*ليست المسألة في عدد المرات التي تَجري فيها عيناك على الصفحات، بل في عدد المرات التي تُوقظ فيها الصفحات شيئا في داخلك…

قد يقضي الإنسان عُمرا وهو يعبر الكلمات كما يعبر طريقا مألوفا، يعرف منعطفاته، لكنه لا يلتفت يوما إلى اللافتات….

الألفة تُخدّر، والتكرار يصنع وهم الفهم….

الخطر ليس في قلة القراءة، بل في الاعتياد الذي يُطفئ السؤال….

حين تتحول التلاوة إلى عادة صوتية، ينفصل العقل عن الدهشة، ويتحوّل المعنى إلى ضيفٍ صامت….

هناك فرق بين من يُصاحب الكتاب، ومن يُجاوره….

المجاور يمرّ، أما المصاحب فيتحاور…

خذ مثلًا كلمة تمرّ بك وأنت تظن أنك تعرفها لأنك سمعتها ألف مرة…

لكن هل سألت نفسك يوما: ماذا أرادت أن تقول؟

ما وزنها في السياق؟

كيف تتبدّل دلالتها بين موضع وآخر؟

الكلمات في الوحي ليست زينة بل مفاتيح…. والمفاتيح إن لم تُستعمل، صدِئت…

المشكلة أننا نتعامل مع المعرفة بمنطق الاستهلاك السريع؛ نريد الوفرة، لا العمق.

نبحث عن الكمّ الذي يُطمئن الضمير، لا عن الفهم الذي يُقلق العقل…

تخيّل لو أن الإنسان قرر أن يخرج من كل موسم عبادة بزيادة حقيقية في قاموسه الداخلي….

لا معلومات عابرة، بل مفاهيم تُعيد ترتيب نظرته للعالم….

مفردة واحدة قد تعيد تعريف العدل عنده….

أخرى قد تعيد فهمه للفساد….

ثالثة قد تكشف له معنى الاستضعاف الذي كان يردده بلا وعي…

تراكم الفهم بطيء… لكنه مُزلزل…

فكرة صغيرة كل عام، بعد أعوام، تتحول إلى بنية فكرية كاملة….

وليس الأمر في حفظ تعريفٍ جاهز، بل في أن تُجبر نفسك على إعادة صياغة ما فهمت….

أن تقول المعنى بلغتك أنت….

أن تختبر قدرتك على شرحه لطفل، أو مناقشته مع مفكر، أو إسقاطه على واقع سياسي أو اجتماعي….

عندها فقط يصبح “كتاب الله” شريكا في تشكيل عقلك، لا مجرد صوت يملأ ليلك…

لماذا لا يتبدل كثيرون رغم طول المصاحبة؟

-لأنهم يدخلون إلى النص وفي أيديهم أجوبة جاهزة !

لا يطلبون هداية، بل تثبيتا لما اعتادوه…

لا يبحثون عن كشف، بل عن تأكيد….

والاعتياد أخطر من الجهل… فالجاهل يسأل، أما المعتاد فيظن أنه يعلم…

التحوُّل الحقيقي يبدأ حين تتعامل مع كل سورة كقضية مركزية، لا كمجموعة آيات متفرقة….

تبحث عن فكرتها الكبرى…. عن خيطها الخفي…

عن الرسالة التي تربط بدايتها بنهايتها.ثم تسأل نفسك:

أين أعيش أنا هذه الفكرة؟

في بيتي؟

في موقفي من الناس؟

في الطابور؟

في الخصومة؟

في رؤيتي للسلطة والضعف والقوة؟

عندها يتجاوز الكتاب حدود التلاوة، ويدخل إلى هندسة الوعي…

الغاية ليست أن تنتهي من القراءة…

بل أن تبدأ القراءة فيك….

ليس أن تقول: أنهيت جزءًا من القرآن .. بل أن تستطيع القول:

تغيّرتُ قليلًا….. تحسّنت قليلا .. ها أنا أتقدّم !

فالمعيار ليس عدد الصفحات التي عبرتها.. بل عدد المفاهيم التي أعادت ترتيبك من الداخل….

الفرق شاسع بين من يحمل كتابا… ومن يحمله الكتاب.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حلم إسرائيل الكبرى.. من دائرة الثقافة إلى دائرة السياسة

مصطلح إسرائيل الكبرى، هو مصطلح قديم، برز على السطح منذ تأسيس الصهيونية، وتبنته الجماعات والكيانات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *