لماذا تَمدّد النفوذ الإيراني؟ !

– لأن التراخي جزء من الرحلة !

ليست كل المشاريع التوسعية عظيمة في ذاتها، لكن بعضها ينجح لأن محيطه يترك له فراغات كافية…
والحق أن السؤال الأدق ليس: لماذا يطمع الطامعون؟ فالطمع صفة قديمة في السياسة. السؤال هو: كيف يجد الطامع طريقه ممهدًا؟

حين ننظر إلى تمدد النفوذ الإيراني في بعض البيئات العربية، فإننا لا نفسره فقط بعامل خارجي، بل أيضًا بجملة من الثغرات الداخلية:
– تساهل في تعريف الخطر
– رخاوة في ضبط معاييره
– اعتقاد زائد بأن المصالح الاقتصادية تكبح المشاريع الأيديولوجية
– ميل دائم إلى شراء الوقت بدل معالجة الأصل
– وتردد في الحسم خوفًا من كلفة الحسم = حتى تتراكم الكلفة الأكبر.

في بعض الأحيان، تتعامل الدول مع النفوذ الخارجي بمنطق “الاحتواء” فتتسع الدائرة أكثر…
وفي أحيان أخرى، تراهن على أن العلاقات التجارية، أو التفاهمات الأمنية، أو الزيارات الرسمية، قادرة على ترويض مشروع قائم في أصله على تصدير الأثر لا على ضبطه…
وهذه قراءة ثبت مرارًا أنها غير كافية….
فالمشروع الذي ينظر إلى محيطه بوصفه مساحة نفوذ لن يتخلى عن منطقه لمجرد أن حركة التبادل التجاري نشطت، أو أن الصور الرسمية التُقطت، أو أن لجان الصداقة اجتمعت.

إن التجربة تقول بوضوح: حين تكون الدولة المقابلة دولة-مشروع، فإنها تستخدم كل الأدوات معًا….
– الاقتصاد ليس بديلًا عن الاختراق؛ بل قد يكون أحيانًا أحد ممراته…
– الثقافة ليست جسر تفاهم فقط؛ بل قد تتحول إلى وسيط نفوذ….
– الدبلوماسية ليست دومًا وسيلة لخفض التوتر؛ بل قد تُستغل لشراء الوقت، أو لتثبيت وقائع ريثما تكتمل حلقات أعمق تحت السطح.

ومن هنا، فإن التعامل الذكي لا يعني قطع كل شيء، ولا إدارة السياسة بالعصبية، بل يعني أولًا أن ترى الدولة الصورة كاملة:
-ترى الاقتصاد، نعم، لكن ترى معه الأمن.
– وترى الجوار، لكن ترى معه التاريخ.
– وترى المصالح، لكن ترى معها العقيدة الحاكمة للمشروع المقابل.
– وترى التهدئة، لكن ترى معها من يعمل في الظلّ على مسار مختلف تمامًا.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن كثيرًا من الرهانات القديمة لم تعد صالحة…
فالمنطقة لم تعد تحتمل إدارة الملفات الوجودية بمنطق المجاملة، ولا بمبدأ “إمساك العصا من المنتصف” إذا كان الطرف الآخر لا يحمل عصا بل يحمل مشروعًا كاملاً.
وهذا لا يعني القفز إلى الخصومة الدائمة، بل يعني وضع الأمور في مواضعها: لا أمن بلا تعريف دقيق لمصادر التهديد، ولا استقرار بلا تحصين للجبهة الداخلية، ولا ردع بلا عمق خليجي متماسك.
وهنا تظهر الحقيقة الكبرى التي حاولت المرحلة الأخيرة أن تفرضها بالقوة: لا دولة خليجية تستطيع أن تتوهم أمنها بمعزل عن أخواتها…
فالتحديات عابرة للحدود، والتهديدات تتنقل بين المنافذ والثغرات، والردّ المجزأ يغري المشروع الخصم بمزيد من الاختبار…
أما حين تتكامل الرؤى والسياسات والأمن والاقتصاد والإعلام،
فإن الرسالة تتغير:
= المنطقة ليست جزرًا منفصلة، بل جسدًا واحدًا إذا أُخذ منه طرف استنفر له كله.

إن من أخطر أخطاء المرحلة أن يُظن أن الاستقرار يعني تجنب الصدام بأي ثمن.

**الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تأجيل المواجهة مع مصادر الخطر، بل على منع الخطر من أن يتحول إلى بنية موازية داخل الدولة.

وليس من الحكمة أن تتسع الحريات لمن يعمل على تقويض أساسها، أو أن تُفتح المساحات لمن يرى نفسه ممتدًا في مرجعيات تتجاوز الوطن، أو أن يُترك الخطاب التحريضي والإسنادي يعمل بحجة التعدد، فيما هو في الحقيقة يُراكم الوقود لأزمات قادمة.
ومع ذلك، يبقى الحسم الأهم ليس أمنيًا فقط، بل فكريًا وسياديًا:
أن يُعاد تعريف الانتماء في الوعي العام، بحيث لا تكون الدولة مجرد مكان للسكن، بل إطارًا نهائيًا للولاء.
فحين يتقدم الولاء للوطن، تذبل المشاريع التي تعيش على ازدواجية الانتماء.
وحين يُربى الجيل على أن الكرامة الوطنية ليست شعارًا بل عقدًا أخلاقيًا وسياسيًا، يصبح اختراق المجتمعات أصعب مهما كثرت أدواته.

إن زمن المجاملة قد طال أكثر مما ينبغي، وزمن الغفلة استهلك من رصيد المنطقة ما يكفي….
أما اليوم، فالمطلوب ليس الانفعال، بل الوضوح. …
وليس المطلوب الحرب المفتوحة بالضرورة، بل الإدراك المفتوح….
إدراك أن الأمن لا يُستعار، وأن الردع لا يتكوّن بالشعارات، وأن الدول لا تُحمى فقط بجيوشها، بل بصلابة وعيها، وانسجام جبهتها الداخلية، وثقتها بنفسها، وقدرتها على التمييز بين الجار وبين المتسلل في هيئة جار.
===
إحسان الفقيه
===
حين يتكرر الخطر ولا يتكرر معه الوعي، فالمشكلة لا تعود في نوايا الخصم وحده…
بل في الفراغ الذي نتركه له كل مرة….

المقالة الرابعة حول العبث الإيراني في #الكويت ضمن سلسلة مقالات عن العبث الإيراني والطابور الخامس الإيراني في بلاد العرب والمسلمين

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الاختراق الناعم… حين لا يأتي الخطر بوجهه الكامل …

#الكويت نموذجا .. السرطان -عافانا الله وإياكم- لا يُعلن عن نفسه في يومه الأول، ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *