#الكويت نموذجا ..
السرطان -عافانا الله وإياكم- لا يُعلن عن نفسه في يومه الأول، ولا يدخل الجسد صارخا قائلا : هذا أنا … ولا يبدأ دائمًا بألمٍ فاضح…
إنما يعمل في الخفاء، ينقسم بصمت، ويتمدد في المساحات الرخوة، حتى يصبح اكتشافه متأخرًا أكثر من اللازم.
وهكذا تفعل المشاريع التي تتغذى على هشاشة الوعي قبل هشاشة الحدود.
إن أخطر ما في التمدد الإيراني في المنطقة ليس ما نراه من مظاهره العسكرية المباشرة، بل ما لا يُرى في بداياته:
الاختراق الناعم…
ذلك الذي يبدأ بمفردات بريئة:
= ثقافة، تواصل، تقارب، تنوع، زيارات، مؤسسات، مصالح مشتركة،
ثم لا يلبث أن يكشف عن طبقة أعمق:
= شبكات تجنيد، صناعة مزاج، إعادة ترتيب الولاءات، خلق بيئات حاضنة، واستنزاف مناعة المجتمعات من داخلها.
لهذا ينبغي أن يُفهم جيدًا أن معركة الأوطان لا تُخاض دائمًا عند الحدود. ثمة معارك أشد خطرًا تُخاض داخل الجامعات، وفي الجمعيات، وفي المراكز الثقافية، وفي المنابر الإعلامية، وفي الفضاء الرقمي، وفي الأحياء، وفي الاقتصاد، وفي طبقات النفوذ البيروقراطي…
وما لم تُقرأ هذه الساحات بوصفها ساحات أمن قومي، فإن الدولة قد تجد نفسها بعد سنوات تدافع عن قلبها بعدما فرّطت طويلًا في أطرافها الرخوة.
حين تتسلل مشاريع النفوذ تحت شعار الثقافة، فالمقصود ليس تعليم لغة فحسب، بل فتح بوابة ذهنية. وحين تُموَّل منصات أو شبكات أو تجمعات، فالقضية ليست كرمًا عابرًا، بل استثمار طويل الأمد في اتجاهات الوعي والانتماء. ..
وحين يُمنح بعض الفاعلين هامشًا واسعًا للتحرك باسم الحقوق أو التعدد أو الخصوصية، ثم يُستغل هذا الهامش في بناء ولاءات تتجاوز الدولة، فإن الخطأ ليس في الحرية ذاتها، بل في الغفلة عن توظيفها ضدّ من منحها.
ولذلك فالمسألة لا تُختزل في طائفة، ولا في نسب سكاني، ولا في كثافة اجتماعية هنا أو هناك. الدول الواعية لا تُدار بهذه الطريقة البدائية. الدولة الحصيفة تميّز دائمًا بين المواطن بوصفه جزءًا من الوطن، وبين الأداة التي تُستخدم لتقويضه…
وبين الاختلاف المشروع داخل المجتمع، وبين الارتباط الخطر بمركز خارجي يريد تحويل هذا الاختلاف إلى ثغرة.
إن أي خطاب يخلط بين الناس ومشاريع النفوذ يضعف نفسه بنفسه؛ لأنه يوسّع دائرة الخصومة بلا ضرورة، ويمنح المشروع الخارجي فرصة التسلل تحت عنوان “حماية المكوّن”…
أما الخطاب الذكي فيفعل العكس: يعزل المشروع، ويُضيّق عليه، ويعيد المواطن إلى حضن الدولة، ويجعل الانتماء الوطني سقفًا أعلى من كل الانتماءات الفرعية.
ومع ذلك، ينبغي ألا يُفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى السذاجة. فالتجربة علّمتنا أن المشاريع التوسعية لا تعمل وحدها؛ إنها تحتاج دائمًا إلى وسائط داخلية:
= طابور خامس، شبكات مصالح، أصوات تبرير، نخب انتهازية، ومجموعات ترى في الخارج رافعة لمكاسبها في الداخل.
= وهؤلاء لا يتحركون غالبًا بصيغة الخيانة الفجّة، بل يلبسون لبوس المظلومية تارة، والحقوق تارة، والإصلاح تارة، والواقعية تارة، حتى إذا اكتمل النسيج ظهر ارتباطهم على حقيقته.
لهذا كان من أخطر ما يُقال في زمن الاختراق: “لا تبالغوا”.
فالتاريخ يعلمنا أن الاختراق لا يُهزم بالاستهانة، كما لا يُهزم بالهياج، بل باليقظة الباردة..
= يقظة تعرف أن الخطر قد يرتدي ربطة عنق، أو يحمل بطاقة أكاديمية، أو يتحدث بلغة المصالح، أو يرفع شعار التفاهم، فيما هو في العمق يؤدي وظيفة لا علاقة لها بكل ذلك.
إن الخليج اليوم لا يحتاج فقط إلى ترسانة دفاعية، بل إلى ترسانة وعي. لأن السلاح يردّ الصاروخ، لكن الوعي وحده يردّ المشروع…
والدول التي فهمت هذا مبكرًا كانت أقل عرضة لأن تُؤخذ على حين غفلة، وأقدر على التفريق بين الانفتاح المشروع وبين الأبواب التي لا يجوز أن تُترك مشرعة.
وفي لحظات الاضطراب الكبرى، تفتضح المشاريع كلها.
ما كان يعمل في السرّ، يبدأ بالتوتر. وما كان يراهن على الضباب، ينزعج من الضوء. وما كان يظن أن المجتمعات غافلة، يكتشف أن في الأوطان عيونًا لا تنام، وأن الخلايا التي توهمت أنها “نائمة” ليست بعيدة عن الرصد والمطاردة والتفكيك.
فالأوطان لا يحرسها حسن النية وحده، بل رجال يفهمون أن الأمن ليس حدثًا طارئًا، بل شغلًا دائمًا، وأن الخطر لا ينتظر حتى يعرّف بنفسه. وهؤلاء، في صمتهم ويقظتهم، هم الخط الفاصل بين دولة تتعرض للاختراق، ودولة تُفشل الاختراق قبل أن يكتمل.
===
إحسان الفقيه من المملكة الأردنية الهاشمية ..
==
الخطر الذي يدخلنا من باب “الناعم” قد يكون أشدّ قسوة من الخطر الذي يطرق الأبواب بصوت عالٍ…
المقالة الثالثة حول العبث الإيراني في #الكويت ضمن سلسلة مقالات عن العبث الإيراني والطابور الخامس الإيراني في دول الخليج وبقية بلاد المسلمين والعرب..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة