حريق جحا… حين لا يُرى الخطر إلا بعد دخوله البيت !

قيل لجحا إن حريقًا اندلع في القرية المجاورة، فقال: وما شأني؟ ليس في قريتي. ثم قيل له: بل صار في قريتك. فقال: لا بأس، ما دام بعيدًا عن الحي…
ثم قيل له: بل وصل الحي…
فقال: لا بأس، ما دام بعيدًا عن داري…
حتى قيل له أخيرًا: لقد اشتعلت النار في دارك…
فقال مطمئنًا: الحمد لله، سلمت برأسي !!

هذه الحكاية الساخرة تختصر مأساة عقل سياسي كامل في منطقتنا: الاعتياد على الخطر ما دام يصيب غيرنا أولًا.
وهذا بالضبط ما فعله المشروع الإيراني في العالم العربي: لم يأتِ دفعة واحدة، بل جاء بالتدرّج؛ من بلد إلى آخر، ومن ثغرة إلى أخرى، ومن أزمة إلى شقّ جديد في الجدار…

– رأيناه في العراق، فظن قوم أنه شأن عراقي.
– ورأيناه في لبنان، فظن آخرون أنه تعقيد لبناني.
– ورأيناه في اليمن، فقيل إنه ملف بعيد.
– ورأيناه في الشام، فقيل إنها حرب أهلية.
= ثم اكتشف الجميع متأخرين أن الحريق ليس محليًا كما بدا، بل جزء من نمط واحد: تفكيك الدولة من داخلها، وإقامة نفوذ فوقها، ثم تحويلها إلى ساحة اشتباك دائم.

وهذه هي الفكرة التي يجب أن تُفهم جيدًا:
– المشروع الإيراني لا يحتاج في بداياته إلى احتلال الأرض، لأنه يبدأ باحتلال الوظيفة.
– وظيفة الدولة، وظيفة المجتمع، وظيفة الرمز، وظيفة القرار.
– يزرع في الجسد الوطني خلايا ولاءات متوازية، ثم يترك الزمن يعمل لصالحه.
– فإذا ضعفت الدولة، ظهر وكأنه ضرورة؛ وإذا قاومت الدولة، ظهر وكأنه مكوّن مظلوم؛ وإذا انفجرت الساحة، ظهر وكأنه صاحب الحق في التدخل.

**ليس هذا اجتهادًا في سوء الظن، بل هو ما أثبتته خرائط المنطقة خلال العقود الأخيرة:
– كل موضع تمددت فيه الأذرع، تراجعت فيه هيبة الدولة،
وكلما تضخم السلاح خارج المؤسسة، انكمش المجال الوطني العام،
وحلّت محلّه هويات مسلّحة، وولاءات مرجعية، واقتصادات ظلّ، ومخازن خوف.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل لإيران نفوذ؟
هذا سؤال تجاوزه الزمن…..

السؤال هو: كيف يُدار هذا النفوذ؟ وبأي أدوات؟ وإلى أي مدى تُترك له الساحة حتى يصير وقائع لا يمكن ردّها إلا بكلفة باهظة؟

#الكويت ليست بعيدة عن هذا المنطق، ولا الخليج عمومًا….
بل إن حساسية الموقع والثروة والانفتاح والبيئة السياسية جعلت المنطقة هدفًا مثاليًا لكل مشروع يريد أن يعمل من الداخل لا من الحدود….

ولعل هذا ما يفسر لماذا ظلّ الخليج لعقود يتلقى الرسائل الإيرانية على هيئة اختبارات متلاحقة:
– خطاب تهديد، ثم أزمة بحرية، ثم خلية، ثم اختراق، ثم تصعيد دعائي، ثم عودة إلى التهدئة، ثم جولة جديدة…

إنها سياسة الإنهاك البطيء، لا الضربة الواحدة…

وما يجعل الأمر أخطر أن بعض النخب لا تزال تُقارب هذا الملف بعقلية جحا: ما دام الحريق لم يصل إلى الغرفة الأخيرة، فلا بأس. وما دامت الدولة قائمة، فلا خطر…

وما دام الاقتصاد يعمل، فلا مشكلة. …
وما دامت المؤسسات لم تنهَر بعد، فلا حاجة إلى المبالغة…
وهذه قراءة قاتلة؛ لأن الدول لا تسقط دائمًا بصوت عالٍ، بل كثيرًا ما تُنهك بصمت، وتُخترق بهدوء، ويُعاد تشكيلها من الداخل قبل أن يظهر الانفجار في المشهد الأخير.

إن الأمن القومي ليس إدارة الحدث بعد وقوعه، بل القدرة على قراءة النمط قبل اكتماله….
ومن لا يفهم النمط، يُفاجأ بالنتيجة وكأنها قضاء لا مردّ له، مع أنها كانت حصيلة تراكمات مرئية لمن أراد أن يرى.

في هذه المرحلة، لم يعد ترفًا أن نقول إن النار إذا تُركت في بيوت الآخرين ستأتي إلينا. هذه ليست حكمة أخلاقية فقط، بل قاعدة استراتيجية…

وحين تحترق دولة عربية، لا يبقى رمادها داخل حدودها….
وحين تُخترق عاصمة، لا يتوقف أثرها عند سورها…
وحين يُزرع السلاح خارج الدولة في بلد، فإنه يشرعن الفكرة نفسها في بلد آخر.

لقد آن الأوان ليتحرر الوعي الخليجي والعربي من منطق “الحريق البعيد”، وأن يدرك أن ما يجري في الإقليم ليس نشرات متفرقة، بل سردية واحدة تتكرر بعناوين مختلفة….
والبلاد التي تنجو ليست تلك التي تطمئن كل مرة بأن النار لم تصل بعد، بل التي تقطع الطريق عليها قبل أن ترى اللهب.
===
إحسان الفقيه
الحرائق الكبرى لا تبدأ من سقف الدار، بل من شرارة صغيرة… اعتاد الناس النظر إليها حتى صارت نارًا…

المقالة الثانية من سلسلة مقالات حول العبث الإيراني في الكويت وحول الطابور الخامس الإيراني في دول الخليج وبلاد المسلمين والعرب.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا تَمدّد النفوذ الإيراني؟ !

– لأن التراخي جزء من الرحلة ! ليست كل المشاريع التوسعية عظيمة في ذاتها، لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *