من عباءة البحر إلى عباءة المشروع …

يُحكى في التراث البحري الكويتي أن غواصًا هبط إلى القاع، فما كادت قدماه تلامسانه حتى ارتدّ فزعًا، وهو يقسم أنه رأى جنية جالسة في الأعماق، تلفّ نفسها بعباءة سوداء.
نزل آخر، ثم ثالث، ثم رابع، وكلّهم صعدوا بالذعر نفسه والوصف نفسه….
حتى جاء خامسهم، فغاص لا ليروي الحكاية، بل ليمتحنها…
اقترب، مدّ يده، لوى عنق “الجنية”، فانكشف الأمر: لم تكن إلا صخرة سوداء علقت بها عباءة ساقطة من سفينة عابرة.

ذه الحكاية ليست من قبيل التسلية الشعبية فحسب، بل هي من أصدق ما يصف طبيعة الخطر حين يختلط فيه الوهم بالحقيقة، والرهبة بالجهل، والتهويل بالعجز….

فكم من مشروع بدا في أعين الناس مخلوقًا أسطوريًا لا يُقهر، وما إن اقتربت منه عين بصيرة حتى تبيّن أنه يقوم على أدوات قابلة للفهم، وعلى شبكات قابلة للتفكيك، وعلى خطاب قابل للفضح.

وهنا أصل الحديث: ليس الخطر الإيراني في منطقتنا “جنيةً” خارقة بمخالب مُلوّنة، لكنه أيضًا ليس عدمًا…
هو مشروع حقيقي، غير أن قوته لم تكن يومًا في جوهره بقدر ما كانت في عجز الآخرين عن تسميته باسمه، أو الاقتراب منه بلا خوف، أو تفكيكه بلا أوهام.

الخليج كله، والكويت جزء أصيل من قلبه، لم يكن يومًا فراغًا جيوسياسيًا كما توهمت بعض الدوائر في طهران، ولا ساحة سائبة يُعاد تشكيلها بالأذرع والاختراقات والولاءات العابرة للحدود….
لكن الذي حدث في فترات طويلة أن المنطقة تعاملت مع التهديد الإيراني بمنطق ردّ الفعل، فيما كانت طهران تبني بمنطق التراكم:
– تراكم النفوذ، لا تراكم الصداقات
– تراكم الأدوات، لا تراكم الثقة
– تراكم الأذرع، لا تراكم العلاقات الطبيعية بين الدول.

= وهنا تكمن خطورة المشروع: أنه لا يدخل من الباب الذي يدخل منه الغزاة التقليديون، بل من الأبواب التي يستهين بها الناس أولًا؛ من الثقافة قبل السلاح، ومن الشبكات قبل الجيوش، ومن الولاء المزدوج قبل الصدام المفتوح.

وليس من المصادفة أن تبدأ كثير من مشاريع الاختراق من اللغة، والرمز، والهوية، والمنح الدراسية، والمراكز الثقافية، والعلاقات التجارية، ثم لا تلبث أن تُترجم إلى نفوذ سياسي، فغطاء اجتماعي، فحضور أمني، فشبكات مصالح، ثم إلى شيء أكبر.

ولذلك فالمشكلة ليست في أن إيران “جار”، فالجوار في السياسة قدر، لكن السؤال: أيّ جار؟
جار يريد الاستقرار المتبادل؟ أم جار ينظر إلى محيطه بوصفه مجالًا حيويًا لتوسيع نفوذه؟
جار يتعامل بمنطق الدولة؟ أم بمنطق الثورة الدائمة؟
جار يرى الحدود إطارًا للعلاقة؟ أم يراها مجرد خطوط مؤقتة أمام مشروع أوسع؟

لقد أثبتت العقود الماضية أن الخطر لا يبدأ عادة من الصاروخ، بل من الفكرة التي تسبق الصاروخ، ومن البيئة التي تبرّر حضوره، ومن اللسان الذي يمهّد له، ومن اليد التي ترفع له الستار من الداخل.
ولهذا، فإن استنهاض الذاكرة الوطنية – يا معشر الإخوة الأعزّاء في دول الخليج – ليس ترفًا ثقافيًا….
حين يعود الكويتي إلى تاريخ آبائه: إلى الغوص، والفقر، والجدب، والطاعون، والطبعة، والهيلق، والبيوت الحجرية، والرحلات الشاقة، والأسواق، والمرافئ، والصبر الذي حوّل الشح إلى كرامة؛ فإنه لا يفعل ذلك من باب الحنين، بل من باب استدعاء المناعة….
فالشعوب التي تنسى كيف صمدت، يسهل أن تُخدع بكيفية سقوطها…

لقد تعلّم الكويتي من البحر أن اللؤلؤ لا يُنال إلا بعد مخاطرة، ومن الصحراء أن الماء لا يُؤتى بلا صبر، ومن التاريخ أن البلاد الصغيرة في مساحتها قد تكون كبيرة في معناها، شريطة أن تعرف نفسها، وأن تحسن قراءة من حولها.

ومن هنا، فإن أول واجب في هذه المرحلة ليس أن نهلع من المشروع الإيراني، ولا أن نستخف به، بل أن نراه كما هو:
لا جنيةً أسطورية تُشلّ الإرادة أمامها، ولا صخرةً ميتة يُستهان بها، بل مشروعًا حقيقيًا يُفهم، ويُسمّى، ويُواجه، ويُمنع من التحول إلى قدر.

ولعل أخطر ما يصيب الأوطان ليس قوة خصومها وحدها، بل لحظة التردّد بين الوهم والحقيقة؛ حين يضيع الوقت في الخوف من “العباءة”، بدل الاقتراب من “الصخرة”.

إحسان الفقيه
ليست النجاة في إنكار الخطر، ولا في تضخيمه،
بل في أن تراه بحجمه الحقيقي… قبل أن يفرض نفسه بحجمه الكارثي.

الجزء الأول حول عبث إيران في #الكويت ضمن سلسلة مقالات حول عبث الأذرع الإيرانية والطابور الخامس الإيراني دول الخليج وبقية بلاد العرب والمسلمين.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا تَمدّد النفوذ الإيراني؟ !

– لأن التراخي جزء من الرحلة ! ليست كل المشاريع التوسعية عظيمة في ذاتها، لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *