قانون إعدام الأسرى…وأد المقاومة أم إعادة شحنها؟

على الرغم من أن الحرب الدائرة بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعد بمثابة غطاء يحجب الأنظار عن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، إلا أن من هذه الانتهاكات ما يطفو على السطح ويغدو على رأس اهتمامات المتابعين نظرًا لخطورته، ومن ذلك تصويت الكنيست الإسرائيلي مؤخرا وبالأغلبية على تمرير قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.

القانون العنصري الذي يستهدف الفلسطينيين وحدهم، تأكيد على هيمنة اليمين الإسرائيلي المتطرف على القرار السياسي، وأن هذه الحكومة التي يترأسها الدموي نتنياهو تركض وبقوة باتجاه ابتلاع كامل فلسطين والقضاء على الوجود الفلسطيني.

ولا شك أن القانون الذي احتفى به السفاح إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي وقتها وفتح من أجله زجاجات الشمبانيا، يقنن القتل على الهوية ويشرعنه، ويضرب بجميع القوانين الدولية وقوانين حقوق الإنسان عرض الحائط.

هناك طعون مقدمة ضد القانون، والمحكمة العليا تنظر في الالتماس المقدم، وتدعو الحكومة للرد عليه في مايو المقبل، بما يؤخر التطبيق الفعلي للقانون لمدة أشهر وربما سنة، أو ربما يتم رفضه من قبل المحكمة العليا وهو من حقها باعتبارها أعلى هيئة قضائية في إسرائيل.

لكن ماذا إن تم إقرار القانون بشكل نهائي؟ هل سيؤدي القانون إلى وأد فكرة المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة؟

عندما يطرح الإعدام كأداة قانونية في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن المسألة لا تكون حينئذ متعلقة بالعقاب، بل تتحول إلى سؤال وجودي: ماذا يعني أن تقاوم حين يصبح الثمن النهائي للمقاومة هو الموت؟

لقد عاشت المقاومة الفلسطينية دهرًا طويلًا في مساحة بين الفعل ونتائجه، بين الأمل والكلفة، ومهما اشتدت قسوة المعادلة كانت هناك فسحة لفكرة الاستمرار، لكن عندما تدخل فكرة الإعدام على الخط، فإن المعادلة ربما تتغير، نظرا لطبيعة الكلفة ذاتها، وهي استلاب الحياة، لا قضاء وقت خلف القضبان طال أو قصر، هكذا يفكر البعض.

لكن الأمر يختلف عندما يتعلق بفكرة المقاومة للعدو الغاصب المحتل، ذلك لأن المقاومة ليست فعلا حسابيًا بحتًا، بل فكرة تسكن الوجدان قبل أن تتحرك في الواقع، فكرة مشبعة بحق يقيني لا ظني، وشعور بمناهضة عدو يقيني لا ظني، والانتهاء إلى مصير يقيني لا ظني وهو الشهادة.

كما أنها فكرة مشبعة بالشعور بعدم الاغتراب في التعاطي مع قضية الأرض والاحتلال، فهي فكرة تراكمية تمتد عبر الأجيال من سعي لتحرير الأرض واستعادة الحقوق.

مثل هذه الفكرة عندما تواجه قانونا يهدد وجود أصحابها فإنها لا تنكسر بسهولة، بل قد تعيد تشكيلها بصورة ربما تكون أكثر حدة.

قد يبدو للبعض أن الإعدام سيزرع الخوف، والخوف سيكبح الفعل، لكن هذا التصور يفترض أن الخوف يعمل دائمًا في اتجاه واحد، وهذا غير دقيق، فهناك خوف يُثني، وهناك خوف يدفع، وهناك لحظات يصبح فيها الخوف نفسه دافعًا للمواجهة، لا للانسحاب. وحين يشعر الإنسان أن كل الأبواب تضيق، قد لا يبحث عن مخرج، بل عن معنى.

من هنا، يمكن أن يتحول القانون – الذي يُراد له أن يكون أداة ردع- إلى عنصر يُعيد شحن الفكرة التي يسعى العدو الصهيوني إلى إخمادها، لأنه حينها سيعمّق الإحساس بأن الصراع بلغ مستوى لا تُجدي معه الحلول الجزئية، ومن ثم تتغير اللغة، ولا يكون الحديث دراسة جدوى عن المكاسب والخسائر، بل عن معنى الوجود.

على صعيد آخر، قد يدفع هذا التحول إلى تغيير شكل المقاومة نفسها، فحين تصبح كلفة الوقوع في الأسر بهذا القدر من القسوة، قد تتراجع بعض الأنماط التقليدية، وتظهر بدلًا منها أشكال أكثر فردية، وأكثر اندفاعًا، وأقل ارتباطًا بالبنى التنظيمية الصارمة، فيكون التحول من الفعل المنظم إلى الفعل الذي تحركه لحظة شعورية مكثفة.

ولا يقف التأثير عند حدود الفعل، بل يمتد إلى الرموز والمعنى، فالأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد حالات قانونية، بل رموز حية لقضية حية مستمرة، ومع إدخال الإعدام في المعادلة، يتّقد هذا البعد الرمزي في الوعي الفلسطيني، ويغدو هذا الأسير الذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام صورة مكثفة لفكرة أوسع، مفادها أن الصراع لم يعد على الحرية وحدها، وإنما على الحياة ذاتها، وهي نقلة ليست هينة في عالم الرمزية.

لكن لن يمنع هذا قطعا، من أن تثار أسئلة بين بعض الفئات في الداخل الفلسطيني حول ارتفاع هذه الكلفة وجدواها، ومدى البحث عن مسارات أخرى أقل كلفة، وذلك استجابة لضغوط الوضع الراهن.

المقاومة فكرة، والأفكار لا تموت، ربما تكون قابلة للبلورة والتشكّل لكنها من المؤكد لا تموت، ويتأكد ذلك في الحالة الفلسطينية، إذ أن فكرة المقاومة ضد العدو الصهيوني متغلغلة في الوجدان الفلسطيني في الضفة وفي غزة، في الداخل وفي الشتات، ويعزز من ذلك أنها قضية مركزية للأمة الإسلامية والعربية، ومهما كانت الحلول الدبلوماسية ونداءات التعايش السلمي على طاولة السياسيين حاضرة، فإن المتجذر في الوعي العربي والإسلامي أنه لا خيار يجدي سوى خيار المقاومة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين يتغيّر جسدها… من الذي يتغيّر حقّا؟

من هنا تبدأ الحكاية: حين تنجب المرأة، أو تمرّ بمرض، أو تُرهقها الحياة، لا يتغيّر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *