ما يجري الآن ليس هدنة…

بل لحظة انكسار صامت في بنية الفكرة قبل بنية الدولة.

لسنا أمام اتفاقٍ يُوقّع، بل أمام إعادة كتابة لمعادلة القوة:

– من يملك القدرة على الإغلاق… يُدفع اليوم لامتحان الفتح …

– ومن بنى سطوته على التهديد… يُستدعى ليقدّم ضمانًا….

* إيران التي عرفناها لم تكن دولةً فقط … بل سردية كاملة:

– سردية الحافة…

– وسردية الشريان…

– وسردية “نستطيع أن نُربك العالم إذا أردنا” !!

لكن ما يجري الآن يقول شيئًا مختلفًا تمامًا:

العالم لا يُدار بالاختناق… بل بمن يملك القدرة على منعه.

هذا الاتفاق – حتى اللحظة – ليس اتفاقًا، بل تعليقُ حربٍ على شرطٍ واحد:

أن تتخلى طهران، ولو مؤقتًا، عن أهم أوراقها.

وهنا تكمن المفارقة القاسية:

– ما كان مصدر قوة… أصبح شرط تهدئة..

– وما كان ورقة تهديد… تحوّل إلى ورقة اختبار.

ليست المسألة أن ترامب وافق، بل لماذا وافق !

فالقرار بهذا الحجم لا يُبنى على “رجاء”، بل على إشارة…

إشارة تقول إن هناك تصدّعًا ما، أو على الأقل استعدادًا أوليًا للتراجع المُقنّن.

باكستان هنا لم تكن وسيطًا… بل جسر عبورٍ لإشارة لا تُقال مباشرة.

فالدول لا تدخل بهذا الثقل لتطلب “تأجيل الضربة”،

إلا إذا كانت تحمل في يدها ما يجعل التأجيل استثمارًا لا خسارة.

أما مضيق هرمز… فلم يعد مجرد ممر، بل ميزان كرامةٍ مُعاد تعريفها.

كان يُستخدم كورقة ضغط، واليوم يُستخدم كورقة طمأنة.

وكان يُلوّح به لإرباك العالم، واليوم يُطلب فتحه لإقناع العالم.

وهنا تسقط أوهام كثيرة:

الكرامة التي تقوم على الخنق… لا تصمد حين يُصبح الخنق مكلفًا.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل ستوقّع إيران؟

بل: بأي صورة ستوقّع؟

لأن التوقيع – إن حدث – لن يكون تنازلًا معلنًا،

بل إقرارًا ضمنيًا بأن سقف الممكن قد انخفض، وسقف الكلفة قد ارتفع.

ستبقى اللغة كما هي… لكن القدرة على تحويلها إلى واقع… لن تبقى.

إننا أمام انتقال حاد:

من منطق “نستطيع أن نفعل” إلى منطق “علينا أن نحسب”.

ومن نشوة الإمساك بالشريان، إلى ضرورة إبقائه مفتوحًا… ولو على مضض.

قال ابن خلدون:

“الملك إذا ذهب منه معنى القهر، ذهب معه معنى الطاعة”،

لكن ما يحدث اليوم يعيد صياغة المعنى:

حين يصبح القهر مكلفًا… تُعاد هندسة الطاعة على أساس المصلحة لا الهيبة.

إيران ما بعد الاتفاق – إن تم – لن تكون إيران التي سبقت التوقيع،

ليس لأن العقائد تتبدل، بل لأن الواقع يفرض حدودًا على العقيدة حين تصطدم بالكلفة.

نحن لا نشهد نهاية صراع… بل نهاية طريقة في إدارة الصراع.

وهذا أخطر بكثير.

فالتحولات الكبرى لا تبدأ بإعلان الهزيمة، بل تبدأ بلحظةٍ صغيرة…

هي لحظة يتحول فيها السلاح إلى شرط سلام،

والقدرة على الإغلاق… إلى التزام بالفتح.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا تَمدّد النفوذ الإيراني؟ !

– لأن التراخي جزء من الرحلة ! ليست كل المشاريع التوسعية عظيمة في ذاتها، لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *