لماذا الحسمُ الحقيقي في معركة النجاة لا يأتي إلا من الداخل؟!

أخطر ما في فساد القلب أنه لا يُرى….

لا يظهر في صورة، ولا يُقاس في تقرير، ولا تفضحه الكاميرات …

قد يبدو الإنسان مستقيما في مظهره، منضبطا في سلوكه، مُنمّقا في خطابه، بينما في داخله حقد مخزون، أو شماتة مُستترة، أو نية فاسدة تنتظر فرصة.

ولهذا جاء الخطاب القرآني صريحا في نقل مركز النجاة من الظاهر إلى الباطن:

“يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم”…

لم يقل بعقل عبقري، ولا بإنجاز كبير، ولا بسمتٍ مُحترم، بل بقلب سليم.

سلامة القلب ليست حالة عاطفية ناعمة، بل حالة أخلاقية عميقة…

-هي خلو الداخل من السموم:

من الغل، والحسد، وحب الشر، وتمني السقوط للآخرين، والفرح بعثراتهم…

-هي أن يكون باطنك نظيفا حتى حين تملك القدرة على الإساءة، وصافيا حتى حين تملك مبرر الانتقام.

في زمن العرض المستمر، صار الناس يعتنون بالصورة أكثر من السريرة…

حسابات عامة نظيفة، كلمات منمقة، شعارات براقة، لكن القلوب ممتلئة خصومة سوداء…

يبتسم في العلن، ويدعو في السر بسقوط غيره…

يُهنئ ظاهرا، ويغلي باطنا.

المشكلة أن كثيرا من الناس يتعاملون مع الذنوب القلبية كأنها ليست ذنوبا، لأنها لا تُرى….

بينما النصوص الشرعية شددت على أعمال القلوب أكثر من أعمال الجوارح، لأن القلب هو المصنع، والجوارح مجرد منفذ.

قد يترك الإنسان معصية خوفا من الناس، لكنه يحتضن الكراهية في قلبه بلا توبة….

يظن أنه نجا لأنه لم يفعل، وينسى أنه أراد.

والله لا يخفى عليه ما أُخفى..

نقاء القلب ليس فكرة صوفية بعيدة، بل اختبار يومي في تفاصيل الحياة:

– حين ينجح زميلك، ماذا يحدث داخلك؟

– فرح صادق أم انقباض خفي؟

-حين يخطئ خصمك، هل تحزن للخطأ أم تفرح بالسقوط؟

-حين يختلف معك أحد، هل تريد هدايته أم كسره؟

– حين تُحرم من فرصة، هل تتمنى الخير لغيرك أم تتمنى زوال النعمة عنه؟

*هذه اللحظات الصغيرة هي مقاييس القلب الحقيقية، لا الخطب الطويلة ولا المنشورات الوعظية.

القلب المليء بالحقد لا يرى الواقع كما هو، بل كما يشتهي.

يفسر كل حدث بسوء نية…

ويقرأ كل تصرف كعداء….

ويبني مواقفه على ظنون….

ولهذا تفسد أحكامه، وتظلم قراراته، وتضيق رؤيته.

كثير من الصراعات العائلية، والانقسامات الفكرية، وحتى النزاعات السياسية، وقودها الحقيقي ليس اختلاف المصالح فقط، بل فساد القلوب:

-رغبة في الغلبة لا في الحق، وفي الانتصار لا في العدل.

تأكّدوا بأن لو صلحت القلوب، لاختلفت طريقة الخلاف نفسها.

يظن بعض الناس أن صفاء القلب سذاجة، وأن حسن الظن غفلة، وأن العفو هزيمة…

وهذا فهم مقلوب…

= نقاء القلب لا يعني قلة الوعي، بل قوة السيطرة. ..

=أن تملك القدرة على الرد، وتختار العدل…

=أن تقدر على الأذى، وتؤثر السلامة…

=أن ترى الشر، ولا تسمح له أن يسكنك.

القلب النقي ليس قلبا أبيض بلا خبرة، بل قلب غُسِل تماما بعد الخبرة.

تطهير القلب ليس مجرّد كلام يُردد، بل عمل مستمر:

-مراجعة النيات قبل الأفعال

-الدعاء لمن نختلف معهم

-كبح الشماتة عند سقوط الآخرين لا أمام الناس وحسب بل بينك وبين نفسك

-الاستغفار من الذنوب القلبية قبل العملية

– تذكر أن الله مطلع على السر لا على الصورة

– والانشغال بإصلاح النفس قبل فضح غيرها

ومن أعظم الأدعية في هذا الباب:

“ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا”

يا بني ديني وقومي:

سيأتي يوم تسقط فيه كل المقاييس الدنيوية:

مال، نفوذ، شهرة، أتباع، تأثير. …

ويبقى معيار واحد فقط: ماذا كان في قلبك؟

كم حملت من خير؟

كم أخفيت من شر؟

كم سامحت؟

كم حسدت؟

كم أحببت للناس ما تحب لنفسك؟

كم بذلت دون أن يعنيك ما يُقال فيك وفيما تُعطي وتبذل؟

هناك لا ينفع التبرير، ولا العلاقات، ولا الصورة العامة….

ينفع فقط “قلب سليم”.

فلا تحمل في هذا القلب شيئا يكرهه الله…..

نظّفه قبل أن تُعرض صحيفته !

فالداخل هو الحقيقة… وكل ما سواه غلاف….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الوجه مرآة الروح

حين يُقال إن الوجه مرآة الروح، فالمقصود ليس تفاصيل الملامح بقدر ما هو أثر الداخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *