الأيديولوجيا لا تولد في الشارع، بل في العقول…

الأيديولوجيا لا تولد في الشارع، بل في العقول….

لا يصنعها الجمهور، بل تُصاغ له….

تبدأ فكرة تحاول تفسير العالم، ثم تتحول – إذا اشتدت وصلبت – إلى إطار يرى الناس من خلاله كل شيء، ثم – إذا أُغلقت – تصبح قفصا لا يرى الناس خارجه شيئا….

وبين الفكرة والقفص، تتضح معالم الحكاية كلها:

كيف تُصنَع الأيديولوجيا، وكيف يذوب الإنسان داخلها دون أن يشعر ؟

الأصل في الأيديولوجيا أنها محاولة للفهم:

ترتيبٌ للأفكار، تفسير للتاريخ، ربطٌ بين الألم والسبب والهدف…

هي خريطة ذهنية تمنح الواقع معنى، وتمنح الإنسان موقعا داخل هذا المعنى…

وسبق وعرّفنا “المعنى” الذي أكرره في مقالاتي كثيرا ..

ولهذا لا تنشأ الأيديولوجيات في الفراغ، بل في لحظات الاضطراب:

هزائم، أزمات اقتصادية، تفكك اجتماعي، شعور جماعي بالإهانة أو الضياع…

هناك، تظهر الحاجة إلى “سردية كبرى” تشرح كل شيء دفعة واحدة…

وهنا يدخل صُنّاع الأيديولوجيا:

مثقفون، منظّرون، قادة، مراكز فكر، نخب سياسية…

هؤلاء لا يقدّمون فقط أفكارا، بل يبنون قصة متكاملة:

من نحن، لماذا تألمنا، من المسؤول، وكيف ننتصر او نتجاوز المحنة؟!

كل أيديولوجيا ناجحة تقدّم ثلاثية مغرية:

– تفسيرا بسيطا لمعاناة معقدة ..

-وعدوّا واضحا بدل شبكة أسباب متداخلة ..

-ووعدا بالخلاص إذا التزم الأتباع بالطريق….

البساطة هنا ليست فضيلة معرفية، بل أداة تعبئة…

فالعقل البشري المتعب من التعقيد يميل إلى الروايات المختصرة الحادة. وهكذا تتحول الأيديولوجيا من “علم أفكار” – كما كان معناها الأول –

إلى “نظام يقين”…

من عدسة نرى بها الواقع، إلى مرشح “فلتر” لا يسمح بمرور إلا ما يؤكدها.

التحوُّل الأخطر لا يحدث عند اقتناع الإنسان بالفكرة، بل عند انتقاله من استخدامها إلى الاحتماء بها…

حين لا تعود الأيديولوجيا إطار تفكير، بل هوية وجود…

هنا يتبدل السؤال من “ما الصحيح؟”

إلى “ما الذي يخدم موقفنا؟”…

ومن “أنا أرى” إلى “نحن نعتقد”….!

في هذه اللحظة يبدأ الذوبان: ينسحب العقل الفردي خطوة، ويتقدم العقل الجمعي العقائدي خطوة…

لا يعود الاختلاف خطأ، بل خيانة…..

ولا يعود النقد مراجعة، بل طعنا….

وتتحول اللغة نفسها: من نقاش إلى اصطفاف، من حوار إلى تخوين.

الذين يذوبون في الأيديولوجيا ليسوا بالضرورة الأجهل،

بل – في كثير من الأحيان – الأشد حاجة إلى اليقين والانتماء والمعنى….

الإنسان الذي يخاف المنطقة الرمادية، ويُتعبه الشك، ويؤلمه التعقيد، يجد في الأيديولوجيا الصلبة راحة نفسية هائلة…..

فهي تمنحه تعريفا جاهزا لنفسه، ومعجما جاهزا للعالم، وغضبا جاهزا للتصريف….

إنها تعفيه من عبء التفكير المستمر….

ومن هنا جاذبيتها….

الأيديولوجيا لا تُغري بالبرهان فقط، بل بالطمأنينة.

لكن الواقع لا يعيش داخل الأنظمة المغلقة…..

وحين يُفرَض عليه ذلك، تبدأ التشوهات…..

لأن الأيديولوجيا حين تتصلب، لا تعود تفسر الواقع – بل تعيد تفسيره قسرا ليطابقها….

الوقائع المزعجة تُهمَل، والأرقام المخالفة يُشكَّك بها، والشهادات المعارضة تُخوَّن….

وهنا لا نكون أمام فكر، بل أمام تصديق قسري….

لا نبحث عن الحقيقة، بل عن الأدلة المؤيدة….

وهكذا تتحول الأيديولوجيا من أداة فهم إلى أداة انتقاء.

المفارقة الكبرى أن التاريخ لا يتحرك بلا أيديولوجيات، ولا يحترق إلا بها أيضا…

كل مشروع نهضوي كبير حمل فكرة كبرى تحركه، وكل كارثة كبرى حملت فكرة مغلقة تحرسها….

الفارق ليس في وجود الأيديولوجيا، بل في مقدار النقد المسموح حولها…

الفكرة التي يُسمح بمراجعتها تبقى فكرا حيا….

والفكرة التي تجرّم مراجعتها تتحول إلى عقيدة سياسية !!

ليست المشكلة أن يكون للإنسان موقف، بل أن يصبح الموقف مالكا للإنسان. وليست الخطورة في أن تنتمي إلى فكرة، بل أن تفقد القدرة على الوقوف خارجها لحظة واحدة لتفحصها….

الحرية الفكرية لا تعني ألا نملك قناعات، بل أن نظل قادرين على مساءلتها…

أن نستخدم الأيديولوجيا – لا أن تستخدمنا.

الأيديولوجيا تصبح خطرا حقيقيا حين تجيب عن كل الأسئلة..

وتمنع كل الأسئلة….

حين تدّعي الاكتمال، وتُحرّم النقص…

هناك لا يعود الإنسان مفكرا داخل فكرة – بل تابعا داخل نظام يقين…

وهناك لا يذوب في الفكرة فقط – بل يختفي.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

أريد أن آخذك يا عزيزي القارئ إلى بيتك أنت…

لا أريد أن آخذكم إلى حكايات كُتّاب عباقرة لم يلتقطوا من صندوق الحلول حلّا لبردهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *