رمضان ليس شهرا إضافيا في التقويم… بل نافذة استثنائية في الجدار….
نافذة يُفتح فيها الهواء على قلب اختنق بالعادات، واستُهلِك بالسرعة، وتكدّس عليه غبار الأيام….
ليس زمنا نُضيف فيه بعض الطاعات – بل موسما نُعيد فيه تعريف أنفسنا…
نحن لا ندخل رمضان فقط – رمضان هو الذي يدخل علينا ليعيد ترتيبنا من الداخل:
-النية قبل السلوك يا قوم …ولطالما تحدثتُ عن أهميّة ذلك وعشت مشاقّ تزكيتها وتطهيرها ولا زلت أجاهد نفسي الضعيفة الأمّارة بالسوء ..
-والقلب قبل الجوارح .. والوجهة قبل الخطوة…
هي ليست دعوة لتحسين العادات فحسب، بل لتحرير الإرادة.
كم من إنسان يعيش طوال العام أسير “لا أستطيع”
– لا أستطيع أن أترك هذه العادة
– لا أستطيع أن أضبط هذا اللسان
– لا أستطيع أن أقاوم هذه الشهوة
= ثم يأتي رمضان فيكسر هذه الكذبة الهادئة.
رمضان يثبت لنا عمليا أن كثيرا مما نظنه ضرورة… هو مجرد تعوُّد.
وأن كثيرا مما نسميه ضعفا… هو استسلام طويل لا أكثر…
هذا الشهر ليس فقط امتناعا عن الطعام والشراب
– بل تمرين سيادي على النفس….
إعلان داخلي أن الإنسان يستطيع أن يقول لرغباته: ليس الآن !
وفي عالم يُبنى كله على الإغراء الفوري – تصبح كلمة “لا” عبادة مقاومة.
ولذلك كان الصوم في جوهره تحريرا:
-تحريرا من استبداد الشهوة
– ومن استعباد العادة
– ومن طغيان الفورية
قال بعض أهل العلم: الحرية الحقيقية ليست أن تفعل ما تريد – بل أن تملك القدرة ألا تفعل ما تريد.
وفي رمضان تتغير البيئة لا الفرد فقط….
تتحول الطاعة من جهد فردي إلى مناخ عام…..
تمتلئ المساجد، تلين القلوب، يكثر البذل، ويصبح الخير – ولو أياما – هو السلوك الغالب….
وهذه الجماعية ليست تفصيلا ثانويا، بل رافعة نفسية هائلة؛ فالإنسان ابن الجوّ الذي يعيش فيه….
حين يرى الطاعة مشهودة، تصبح ممكنة. …
وحين يرى الخير شائعا، يصبح قريبا.
لهذا جاء التوجيه القرآني عميقا:
وتعاونوا على البر والتقوى … لأن الفضيلة المُعدية أقوى من الموعظة الفردية.
رمضان أيضا إعادة توزيع للقوة بين الجسد والروح….
طوال العام يتكلم الجسد أكثر، ويطلب أكثر، ويقود أكثر… أليس كذلك ؟!
ولكن في رمضان تتقدم الروح خطوة….
يهدأ الضجيج البيولوجي، ويرتفع الصوت المعنوي….
وكأن الإنسان يُمنَح فرصة سنوية ليعيد ضبط الميزان بين ما يشتهي وما ينبغي.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” الصيام جُنّة “
ليس فقط من النار – بل من الانفلات… من التبعثر. من الذوبان في الاستهلاك.
وفي زمننا، لم تعد الشهوات فقط طعاما وشرابا – بل شاشة لا تُطفأ، وتمريرا لفيديوهات “تيك توك وفيس بوك وانستجرام” القصيرة لا ينتهي، ومقارنات تُتعب القلب، وضجيجًا ينهب التركيز…!
الصوم اليوم لا يكسر شهوة البطن فقط – بل يمكن أن يكسر شهوة التشتُّت.
من أعظم أسرار رمضان أنه يكشف لك قدرتك التي كنت تجهلها.
المدخن الذي لا يصبر ساعة – يصبر نهارا كاملا.
الغاضب السريع – يملك نفسه.
المفرّط – ينضبط.
رمضان لا يعطيك القدرة – بل يكشفها.
يقول لك: كانت موجودة… لكنك لم تختبرها.
أما المعونة الربانية في هذا الشهر فليست معنى شاعريا – بل حقيقة تربوية:
فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين ..
= أي أن مساحة المقاومة تصبح أوسع، وعوائق الطريق أخف…
لكن بقاء المعصية لا ينفي ذلك – لأن في الداخل شياطين أخرى:
العادة، والهوى، والتبرير، والتسويف…
=تصفيد الشيطان الخارجي لا يُغني عن مجاهدة الداخلي.
رمضان ليس شهر كمال يا معشر القراء بل شهر بداية.
ليس المطلوب أن تخرج منه بلا ذنب – بل ألا تخرج منه كما دخلت.
هو ليس محطة عابرة – بل ورشة إعادة تشكيل.
ومن الخسارة الكبرى أن يخرج الإنسان من رمضان وقد صام جسده…
وبقيت عاداته كما هي، وقلبه كما هو، ونمط حياته كما هو.
رمضان يقول لنا كل عام رسالة واحدة عميقة:
التغيير ممكن = حين تتغير الأولوية.
والنجاة ممكنة = حين تصدق الوجهة.
والقلب يمكن أن يُغسَل = إذا فُتِح لنور الله …
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة