رمضان لم يُشرع ليزيد أعباء الناس

رمضان لم يُشرع ليزيد أعباء الناس، ولا ليُحوّل البيوت إلى ساحات سباق في الطعام والضيافة والمظاهر والشكليات…

بل شُرِعَ ليعيد الإنسان إلى البساطة، وإلى وضوح النية، وإلى ترتيب الأولويات…

هو شهر تخفيف لا تثقيل، تهذيب لا استعراض، وصدق لا تكلّف….

الفكرة الأصلية في الصيام ليست الحرمان الجسدي فقط، بل التحرر الداخلي…

أن يتخفف القلب من ازدحام الشهوات، ومن ضغط العادات، ومن اللهاث وراء الصورة الاجتماعية….

قال الله تعالى: “لعلكم تتقون” — ولم يقل سُحبانه: لعلكم تتوسعون وتستعرضون !!

التقوى معنى قلبي وسلوكي، لا علاقة له بعدد الأطباق، ولا بكثرة الدعوات، ولا بمظاهر الكرم المتكلفة…

ما يحدث أحيانا أن الناس تنقل رمضان من عبادة إلى مناسبة، ومن تزكية إلى موسم اجتماعي مرهق….

ترتفع المصاريف، وتتضاعف العزائم، ويزيد الضغط، ويضيق الوقت، ثم نشكو أننا لا نجد فسحة للقرآن ولا هدوءا للصلاة !

كأن المقصد انقلب دون أن نشعر….

الكرم قيمة عظيمة، وصلة الرحم عبادة جليلة، لكن الكرم غير التكلّف، والصلة غير الاستنزاف….

ليس مطلوبا من الإنسان أن يفتح بيته طوال الوقت، ولا أن يقول “تفضلوا” لأي عابر طريق كي يُقال عنه كريم.. خاصة وهو يعلم أنه لا يملك وقتا للجلوس ولا طاقة لإكرام الضيف…

المجاملة التي تقوم على عدم الصدق تُتعب الطرفين، وتُسقط الألفة مع الزمن…

أما الوضوح المهذب فيحفظ الود، حتى لو قلّ اللقاء…

من الصدق أن تقول: وقتي محدود في رمضان، أولويتي لعبادتي وولدي وعملي، وسأصل رحمي وأتفقد من أعرف صدقهم وحاجتهم، وما عدا ذلك أعتذر بلطف…

هذا ليس جفاء ولا تكُبُّرا، بل فقه أولويات…

وقد قال النبي ﷺ: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه…

وقال أيضا: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم…

إرسال الطعام للمحتاج أو للقريب دون جلسات طويلة قد يكون أصدق من مائدة عامرة تُقام على حساب التوتر وضيق الوقت….

وقضاء ساعة خاشعة مع الأهل أو في العبادة قد يكون أنفع من ثلاث ساعات مجاملة مشتتة….

الميزان في رمضان ليس كثرة الحركة، بل جودة القصد….

في زمن تضخمت فيه المظاهر، تصبح الحدود الواضحة نعمة…

أن يعرف الإنسان ماذا يستطيع وماذا لا يستطيع، وأن يعتذر بلا كذب ولا تمثيل…

ليس كل اعتذار قطيعة، وليس كل حضور مودة…

أحيانا يكون الاعتذار الصادق أكرم من حضور متكلف…

رمضان فرصة لإعادة تعريف البساطة: طعام أقل، صدق أكثر….

زيارات أهدأ، نية أصفى….

علاقات حقيقية، لا بروتوكول اجتماعي….

هو شهر نقول فيه للزائد: يكفي …

وللضروري: تفضل….

ومن لم يفهم حدودك الصادقة اليوم، كان سيتعب من مجاملتك المصطنعة غدا…

أما من يفهم مقصد رمضان، فسيفهم اختيارك.

كُل عام وأنتم أكثر نُضجا ووضوحا وصدقا مع أنفسكم قبل الجميع ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

أريد أن آخذك يا عزيزي القارئ إلى بيتك أنت…

لا أريد أن آخذكم إلى حكايات كُتّاب عباقرة لم يلتقطوا من صندوق الحلول حلّا لبردهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *