كل شيء حولنا صار قابلًا للتسليع !

كل شيء حولنا صار قابلًا للتسليع !

لم يسلم حتى الحب من أن يُختزل… ويُعلّب… ويُباع….

آيةٌ بحجم الكون: “وجعل بينكم مودة ورحمة “

تُختصر اليوم في إعلان:

“اشتركي الآن… لتتعلمي كيف تُحبين وتجعلين زوجكِ مهووسا بكِ!”

هنا لا تكمن المشكلة في الفكرة… بل في الانزلاق الخطير من المعنى إلى السوق.

المودة ليست مهارة… بل طمأنينة ..

المودة في جوهرها ليست “تقنية تواصل” ..

ولا “استراتيجية جذب” …

المودة هي تلك الحالة التي تسقط فيها الحاجة للدفاع عن نفسك.

– أن تجلس مع شخص… ولا تشعر أنك في اختبار .. ولا أنك مطالب بإثبات شيء.

كما قال ابن تيمية عليه رحمة الله:

“القلوب جُبلت على حب من أحسن إليها”

لكن الإحسان هنا ليس أداءً ولا استعراضا ولا احتراف إخفاء عيوب البشرة وتقليص قياس الخصر… بل حضور صادق بلا حسابات.

– الرحمة ليست ضعفًا… بل وعي عميق

– الرحمة ليست أن تتحمل كل شيء .. ولا أن تُلغَى باسم “الحب”.

– الرحمة أن ترى هشاشة الآخر… لكن دون أن تُسلم له مفاتيحك.

كما قال جلال الدين الرومي:

“الجروح هي المكان الذي يدخل منه النور”

لكن ماذا لو أصبح الجرح هو القاعدة؟

وماذا لو طُلب منك أن تبتسم… لأن هذا “توازن عاطفي”؟

أخطر ما يُزرع اليوم: علاقة بخوف مسبق …

الخطابات الحديثة صنعت نموذجًا مشوهًا للعلاقة:

– امرأة تدخل وهي “مستعدة للانسحاب”

– رجل يدخل وهو “مستعد للدفاع”

– كل طرف يضع يده على الزناد وكأنهما في معركة …

لكن الحقيقة الأعمق:

العلاقة التي تبدأ بالخوف… لن تُنتج مودة، بل هُدنة مؤقتة ..

لذّة مؤقتة .. وآمان مؤجّل ..

القوة ليست أن تقول “لا” دائما .. ولا أن تتخذ موقفًا في كل لحظة….

القوة الحقيقية أن تعرف:

متى تكون لينًا… ومتى تكون حازمًا.

أما تحويل العلاقة إلى مسرح لإثبات القوة ..

فهو ليس “جاذبية”… بل إرهاق طويل الأمد.

كما قال فريدريك نيتشه:

“من يقاتل الوحوش، عليه أن يحذر أن يتحول إلى وحش”

وكثير من العلاقات اليوم… لم تعد حبًا، بل معركة صامتة….

المشكلة ليست في النصيحة، بل في تكرارها حتى تصبح “قناعة”.

نُخبر الفتاة:

لا تثقي بالرجل

لا تعطي الكثير للرجل

لا تُظهري ضعفك للرجل

ونُخبر الرجل:

لا تنكشف أمامها

لا تتعلق بها

لا تبادرها ….

= ثم نُفاجأ:

لماذا اختفت المودة؟

أين الرحمة؟

لأننا استبدلنا العلاقة بـ دليل استخدام.

أخطر ما في هذا الخطاب.. ليس أنه يتحدث عن المودة والرحمة…

بل أنه يُفرغهما من معناهما….

يحوّلهما من:

حالة إنسانية عميقة

إلى:

– محتوى مدفوع

– جلسة شهرية

– تمرين مكتوب

وهنا يتحول الحب من تجربة… إلى منتج استهلاكي.

نحن اليوم أمام جيل:

يعرف كيف “يتصرف” في العلاقة

لكنه لا يعرف كيف “يكون” داخلها

جيل: يملك الوعي النظري لكنه يفتقد الطمأنينة الفعلية….

ولهذا، ترى علاقات:

– مثقفة… لكنها باردة

– واعية… لكنها مرهقة

===

“وجعل بينكم مودة ورحمة” لا ولن تكون دورة تدريبية…

بل كانت ولا زالت وصفًا لحالة عفوية فطرية إذا غابت… فلن تعوضها كل “الاشتراكات والتطبيقات” في العالم.

أخطر ما حدث للعلاقات… أننا لم نفقد الحبّ فجأة، ولا سُلب منّا قسرًا،

ولا انتهى لأن القلوب قست كما نظن…

بل فقدناه حين تعاملنا معه وكأنه مشروع يحتاج إلى إدارة، لا شعور يحتاج إلى صدق….

حين أخذنا أبسط ما في الإنسان… وأثقلناه بالتعليمات:

كيف تبدأ؟

كيف تتقدّم؟

متى تنسحب؟

متى تصمت؟

متى تُظهر؟

ومتى تخفي؟

فلم يعد الحبّ يُعاش… بل يُراقَب.

صار كل طرف يدخل العلاقة وفي داخله “مدرّب خفي” يهمس له:

لا تعطي كثيرًا… ستُستغل

لا تقترب أكثر… ستُكشف

لا تتعلق… ستُؤذى…

وهكذا، لم تعد العلاقة لقاء قلبين،

بل التقاء خوفين.

نقيس مشاعرنا،

نُوازن ردودنا،

نحسب كلماتنا،

ونراقب أنفسنا أكثر مما نرى بعضنا.

حتى أصبح السؤال في العلاقات:

“كيف أتصرف؟”

لا: “ماذا أشعر؟”

وهنا بدأ الانطفاء.

لأن الحبّ بطبيعته

لا يُولد في المساحات المُحروسة، ولا ينمو تحت أعين الشك،

ولا يزدهر في بيئة مشروطة.

قلبنا المعادلة، فصرنا نحبّ… ونحن نختبئ،

نقترب… ونحن متراجعون،

نمنح… ونحن خائفون.

ففقد الحبّ طبيعته، وفقدت العلاقات روحها.

لم نعد نبحث عن إنسان نلتقيه، بل عن نموذج يطابق شروطنا،

نسخة محسّنة، متوازنة، محسوبة…

لا تُربكنا، ولا تُفاجئنا، ولا تُرهقنا…. لكن الحقيقة التي لا تُقال:

كل علاقة خالية من الارتباك…

خالية من الحياة.

الحبّ الحقيقي ليس “مثاليًا”،

بل حيّ،

وفي الحياة… شيء من الفوضى،

وشيء من العفوية،

وشيء من المخاطرة.

أما حين يتحول الحبّ إلى: قواعد، وشروط، وتحديثات،

ونصائح يومية…

فهو لا يتطور… بل يتآكل ببطء.

ولهذا، نحن اليوم أمام مفارقة موجعة:

نحن الجيل الذي قرأ عن الحب أكثر من أي جيل، وتعلّم عنه أكثر من أي وقت،

لكننا… نشعر به أقل من أي زمن.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حنين إلى إنسانٍ كنا نعرفه

ليس لأن الهواء كان أنقى بالضرورة، ولا لأن الماء كان أصفى على وجه الحقيقة… لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *