في كل مرة يُطرح هذا السؤال:
كيف فعلت إيران كل هذا دون رد عربي؟
يتسلل في داخله افتراض خفي… أن ما فعلته إيران “نجاح”، وأن ما يفعله العرب “عجز” !!
وهنا تبدأ المشكلة…
ليس كل ما يبدو صعودًا هو صعود، ولا كل ما يبدو صمتًا هو غياب.
فالتاريخ – كما يقول ابن خلدون – لا يُقرأ من سطح الأحداث، بل من “طبائع العمران” وما يجري في أعماقه.
هل بنت إيران… أم فككت؟!
حين ننظر إلى خريطة النفوذ الإيراني، تبدو ممتدة:
بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء…
لكن السؤال الأصدق ليس: أين وصلت إيران؟
بل: ماذا تركت خلفها؟
– في العراق: دولة مكسورة السيادة، تُدار بين ميليشيات ونفوذ متداخل..
– في سوريا: نظام باقٍ فوق ركام مجتمع ممزق ..
– في لبنان: دولة داخل الدولة، وقرار خارج مؤسساتها …
– في اليمن: حرب مفتوحة على جسد شعب منهك …
= هذا ليس “مشروع بناء”… بل هندسة فراغ….
= إيران لم تبنِ دولًا قوية تدور في فلكها، بل صنعت مساحات رخوة يمكن اختراقها والتحكم بها…
*وهنا المفارقة:
المشروع الذي يتغذى على ضعف الآخرين، لا يُقاس نجاحه بما يملك…
بل بما دمّر وخرّب وأفسد….
طيب
أين “المشروع السني العربي”؟
السؤال نفسه يكشف خللًا في التصور كذلك ..
فالدول العربية – مهما كان تقصيرها – لم تُنشأ كمشاريع مذهبية عابرة للحدود، بل كدُولٍ وطنية…
والدولة الحقيقية السويّة، بطبيعتها، تحمي حدودها… لا تتسلل عبر حدود الآخرين.
لهذا، فإن المقارنة بين “مشروع إيران” و”غياب مشروع سني” هي مقارنة غير متكافئة:
– إيران تعمل عبر أذرع غير رسمية، تتجاوز القانون الدولي ..
– بينما الدول العربية مقيّدة ببنية الدولة: قانون، سيادة، مسؤولية أمام شعوبها
= بمعنى أدق:
إيران تلعب خارج قواعد اللعبة… بينما يُطلب من الدول أن تنتصر داخلها.
طيب
هل الصمت عجز؟
من وجهة نظري .. ليس دائمًا.
في السياسة، كما في الحرب، هناك فرق بين:
من يختار توقيت المواجهة… ومن يفتح كل الجبهات دفعة واحدة.
* إيران تقدمت في بيئات منهكة أصلا:
احتلال، حرب أهلية، انقسام طائفي، انهيار مؤسسات…
أي أنها لم “تنتصر” بقدر ما دخلت إلى مساحات منهارة.
* أما الدول التي ما زالت قائمة ، فخيارها ليس المغامرة، بل الحفاظ على تماسكها….
لأن الدولة التي تُشعل الحرائق خارجها… قد تجدها في داخلها.
طيب
*هل هناك تقصير عربي؟
نعم، وبوضوح دون أي مواربة ..
لكن الخطأ الأكبر هو أن يكون العلاج… تقليد النموذج الإيراني يا قوم !
– فهل المطلوب أن تتحول دُولنا إلى ميليشيات؟
أو أن تُدار السياسة بعقلية “الاختراق” لا “البناء”؟
= التاريخ يُخبرنا أن المشاريع التي تقوم على الفوضى ..
قد تتمدد سريعا… لكنها تترك خلفها فراغا يبتلعها لاحقا.
كما قال مالك بن نبي:
“القابلية للاستعمار تبدأ من الداخل”
ويمكننا أن نعيد صياغتها هنا:
القابلية للاختراق لا تأتي من قوة الخارج… بل من ضعف الداخل.
* بين الشعار والحقيقة:
رفع الشعارات الكبرى سهل: مقاومة، تحرير، مواجهة…التلويح بالأيدي .. حدّة الصوت.. افتراش الميادين .. الخروج في مظاهرات .. شتم تخوين تشكيك همز لمز …. يا لسهولة كل ذلك ..
لكن السؤال الأصعب:
كم أرضًا تحررت؟ وكم مجتمعًا استقر؟ وكم حقوقا عادت إلى أصحابها ؟
– إيران لم تصل إلى فلسطين… لكنها وصلت إلى عواصم عربية…
– ولم تغيّر موازين الصراع مع إسرائيل بقدر ما غيّرت موازين القوى داخل العالم العربي.
= وهنا يجب أن نكون أكثر صدقا:
– ليس كل من يرفع شعار فلسطين… يسير إليها.
**المشكلة ليست في أن إيران “لديها مشروع” **
** بل في أن البعض أعاد تعريف “المشروع” على أنه: القدرة على التمدد بأي ثمن**
أما المشروع الحقيقي، فلا يُقاس بعدد العواصم التي تُخترق، بل بعدد الدول التي تبقى قائمة، مستقرة، قادرة على حماية نفسها وشعوبها.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن نقع فيه ليس لوم “النائم بمزاجه الكسول”…
بل الإعجاب بمن أيقظ المنطقة… على صوت التدمير والخراب.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة