لماذا يسهل شتم القريب… ويصعب لعن العدو؟

ليس السؤال: لماذا يُشتم الخليج والأردن؟

السؤال الذي يجب أن يُقلقنا حقًا هو:

لماذا يسهل شتم القريب… ويصعب لعن العدو؟

هذه ليست مسألة رأي ولا اختلافاً في المواقف ولا تبايُنا في وجهات النظر ..

بل خللٌ في ميزان الكرامة نفسه.

ففي الوجدان العربي القديم،

كانت العداوة تُواجه

والخلاف يُضبط

والقريب – مهما اختلفت معه –

له حرمة لا تُنتهك.

لم يكن العربي يَفخر بلسانٍ يطعن أهله،

بل كان يعدّه عارًا يُخفيه،

لا بطولةً يتباهى بها.

لكننا اليوم أمام ظاهرة مقلقة:

لسانٌ يشتد حين يقترب،

ويضعف حين يواجه.

يعلو صوته في نقد الخليج والأردن،

ويخفت حين يُذكر من يحتل الأرض،

ويقتل الإنسان،

ويهدم البيوت على ساكنيها.

وهنا لا نتحدث عن نقدٍ مشروع،

فالنقد حق،

والخطأ يُصحّح،

لكننا نتحدث عن اختلال في اتجاه الغضب:

حين يتحول القريب إلى ساحةٍ لتفريغ الاحتقان،

ويُستثنى العدو من حدّة الخطاب،

بل أحيانًا من أصل الخطاب.

لقد قرر أهل العلم منذ قرون،

وفي مقدمتهم ابن تيمية،

أن التفاضل ليس بالأمصار ولا بالأنساب،

بل بما يقوم في القلوب من تقوى،

وما يظهر في الأفعال من عدل.

فكيف انقلب الميزان حتى صارت الجغرافيا معيارًا؟

وأصبح القريب خصمًا،

والبعيد – وإن كان ظالمًا –

أهون حضورًا في الوعي واللسان؟

إن المروءة – التي هي روح العروبة –

لم تكن يومًا طقوسا للتباهي،

بل سلوكًا يُختبر في لحظات التوتر.

المروءة أن تضبط لسانك عن أخيك

وأنت قادر على النيل منه،

لا أن تنفلت عليه

وأنت عاجز عن غيره.

والفروسية ليست في حدّة العبارة،

بل في اتجاهها.

فمن وجّه سيفه إلى حيث يأمن،

وغمده حيث يجب أن يُشهر،

فليس بفارس،

ولو تزيّن بكل ألفاظ البطولة.

أما حديث النبي ﷺ عن الفتن،

وما ورد في شأن “قرن الشيطان”،

فلم يكن إذنًا بتوزيع اللعنات على الخرائط،

ولا ترخيصًا لتأثيم الجغرافيا،

بل تحذيرًا من مواضع الفتنة في القلوب قبل الأمكنة.

فالفتنة إذا سكنت النفس، أفسدت صاحبها أينما كان،

والصالح إذا عمر قلبه،

أصلح الأرض التي يمشي عليها.

لهذا فإن أخطر ما في الخطاب المعاصر

ليس اختلافه،

بل انحراف بوصلته.

حين تُستخدم النصوص الدينية لتبرير الشقاق،

وحين يُستدعى التاريخ

لاستخراج الخصومات،

وحين يُستبدل ميزان التقوى

بميزان المكان…

فنحن لا نقرأ الدين، بل نُسخّره.

إن دول الخليج والأردن – كسائر بلاد المسلمين –

ليستا فوق النقد،

لكن تحويلهما إلى هدف دائم،

في مقابل صمتٍ مريب عن العدو وأنصار العدو ،

ليس موقفًا،

بل تعبيرٌ عن أزمة أعمق.

أزمةُ وعيٍ لا تفرّق بين العدو والخصم،

وأزمةُ نفسٍ تبحث عن ساحةٍ آمنة

لتقول ما لا تجرؤ على قوله في غيرها.

ومن أراد أن يبحث عن قرن الشيطان اليوم،

فلن يجده في جهةٍ من الأرض،

بل في ثلاثة أشياء:

في عقلٍ يُبرر الظلم،

وقلبٍ يعتاد الهوان،

ولسانٍ يشتد على القريب

ويصمت عن البعيد.

هنا تبدأ الفتنة…

لا هناك.

وفي النهاية،

ليست المشكلة في اختلافنا،

بل في طريقة اختلافنا،

ولا في نقدنا،

بل في وجهة نقدنا.

فالأرض لا تُدنّس أحدًا…

لكن القلوب إذا فسدت،

دنّست كل شيء.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ما وراء إغلاق الأقصى… هل نعي الخطر؟

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: “ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *