الأردن… السكّين التي تتمدّد في بلعوم الإيرانيين..

الأردن… السكّين التي تتمدّد في بلعوم الإيرانيين..

بل العقدة التي لم يستطع المشروع الإيراني ابتلاعها …

ليست مشكلة إيران مع الأردن مشكلة حدود، ولا مجرد تباين في المواقف السياسية، ولا سوء تفاهم عابر بين دولتين في إقليم مضطرب….

المسألة أعمق من ذلك بكثير….

إنها مشكلة مشروع مع دولة، ومشكلة عقيدة توسع مع جدارٍ صلب، ومشكلة ثورة لم تقم لكي تعيش داخل حدودها، بل قامت – منذ لحظتها الأولى – على وهمٍ اسمه تصدير الثورة….

هذه العبارة لم تكن يومًا مجرد شعار أيديولوجي يُرفع في المناسبات، بل كانت جوهرًا بنيويًا في تفكير النظام الإيراني….

فمنذ أن أُسقط الشاه، لم تتصرف الجمهورية الإسلامية باعتبارها دولة تريد تثبيت حكمها داخل إيران، بل باعتبارها مركزًا أمميًا يرى نفسه مكلفًا بمدّ نفوذه، وتوسيع نسخته، وبناء أذرعه خارج حدوده، ولو على أنقاض الدول العربية نفسها…

ولذلك لم يكن السؤال في طهران: كيف نؤمن إيران؟ بل: كيف نجعل الإقليم امتدادًا سياسيًا ومذهبيًا وأمنيًا لإيران؟

ومن هنا يمكن فهم سلوك النظام الإيراني في العراق ولبنان وسوريا، حيث وجد في كل ساحة مدخلًا اجتماعيًا أو مذهبيًا أو سياسيًا يسمح له بالتغلغل ثم التحكم…

– في العراق، استثمر الثقل الشيعي وسقوط الدولة بعد الاحتلال الأمريكي، فدخل من بوابة المظلومية والتديّن، ثم انتهى إلى القبض على القرار والسيطرة على المفاصل…

– وفي لبنان، صنع من الطائفة الشيعية رافعة عسكرية وسياسية لمشروعه، حتى صار له من خلال حزب الله ما يشبه الدولة داخل الدولة…

– وفي سوريا، لم يتعامل مع نظام الأسد بوصفه حليفًا فقط، بل بوصفه جسرًا استراتيجيًا لا بد من حمايته بأي ثمن، لأن سقوط دمشق كان يعني انكسار السلسلة الممتدة من طهران إلى المتوسط.

** أما الأردن، فهنا بدأت المعضلة الحقيقية ***

الأردن لم يكن ساحة مثالية لهذا المشروع، ولم يكن أرضًا رخوة يمكن اختراقها بالأدوات نفسها. فهو بلد ذو أغلبية سنية متماسكة، وبنية اجتماعية مختلفة، ووعي تاريخي متراكم تجاه الاختراقات العابرة للحدود، ودولة تعرف أنها تدفع ثمن موقعها من دمها واستقرارها….

والأخطر – من وجهة النظر الإيرانية – أن الأردن لا يشكل مجرد دولة مستقلة، بل حاجزًا جيوسياسيًا وأمنيًا يمنع اكتمال القوس الإيراني في الإقليم.

لقد تمكنت إيران من بناء ما يشبه الهلال الممتد عبر العراق وسوريا ولبنان، لكن بقيت أمامها عقدة لم تستطع كسرها: الأردن….

ولذلك لم يكن الأردن في الوعي الإيراني مجرد جار آخر، بل حجر عثرة في مشروع التمدد. لأن الدولة الأردنية، بتركيبتها، وموقعها، وطبيعة مجتمعها، لا تمنح طهران ذلك المدخل المذهبي الذي نجحت عبره في ساحات أخرى….

وحين يُغلق باب الاختراق الطائفي، يبدأ البحث عن أبواب بديلة: بوابة الدبلوماسية، بوابة الإغراء، بوابة الرمزية الدينية، ثم – عند الفشل – بوابة الفوضى.

هنا نفهم لماذا جرى التفكير في الأردن لا باعتباره بلدًا ينبغي احترام سيادته، بل باعتباره ساحة يجب استثمارها، أو كسرها، أو تحييدها، أو زعزعتها عند الحد الأدنى. ولأن المشروع الإيراني مشروعٌ لا يحتمل الفراغ، ولا يقبل بوجود دولة عربية عصية على الترويض، فقد حاول أن يفتش في الأردن عن شقوق ينفذ منها.

فإن لم يجد بيئة مذهبية جاهزة، بحث عن رمزية دينية، وإن لم تنجح الرمزية، جرب الإغراء السياسي والاقتصادي، وإن فشل ذلك كله، لجأ – كما تفعل كل المشاريع الفاشلة حين تُحبط – إلى العبث الأمني وإثارة البلبلة وتغذية الاضطراب.

وهنا يظهر الفارق بين دولة تريد علاقات، ومشروع يريد اختراقات.

فإيران لا تنظر إلى المواقع الدينية أو العلاقات الاقتصادية أو خطوط التبادل بوصفها مسارات طبيعية بين الدول، بل بوصفها أدوات توطئة وتثبيت نفوذ…

ولذلك فإن أي قراءة ساذجة للتقارب الإيراني مع بعض البيئات العربية باعتباره مجرد انفتاح ثقافي أو ديني هي قراءة تتجاهل التاريخ كله. فالنظام الإيراني لم يستخدم يومًا الدين كقيمة روحية جامعة، بل كأداة جيواستراتيجية عالية الفعالية، يجمع بها الأنصار، ويوسع بها النفوذ، ويفكك بها الدول من الداخل…

ولذلك كانت مشكلة الأردن مع إيران – في جوهرها – أنه فهم مبكرًا ما لم يفهمه كثيرون متأخرين.

فالأردن لم يتعامل مع الطرح الإيراني بوصفه عرضًا سياحيًا أو دينيًا بريئًا، بل قرأ ما وراء العناوين: رأى كيف يبدأ المشروع بزيارة، ثم ينتهي ببيئة حاضنة، وكيف يبدأ بمقام، ثم ينتهي بممر، وكيف يبدأ بموسم ديني، ثم يتحول إلى نفوذ اجتماعي وسياسي وأمني…

كانت الدولة الأردنية تدرك أن المسألة ليست مقامًا هنا أو امتيازًا اقتصاديًا هناك، بل اختبار وعي وسيادة: هل تفتح الباب لمشروع يعرف كيف يدخل ولا يعرف كيف يخرج؟

ولما فشلت طهران في انتزاع موطئ قدم ناعم داخل الأردن، لم تتراجع عن الهدف، بل غيّرت الوسيلة. وهذه سمة أصيلة في سلوكها الإقليمي: إذا تعذر الاختراق الناعم، بدأ العمل الخشن؛ وإذا استحالت السيطرة المباشرة، جرى الاستثمار في الإرباك، وفي إنهاك الجبهة الداخلية، وفي محاولات صناعة الخلايا، أو دفع المجتمع إلى التوتر، أو استغلال العاطفة الشعبية تجاه فلسطين لتبرير خطابها وتلميع صورتها.

وهنا تكمن إحدى أخطر الخدع الإيرانية: أنها تعرف أن أقصر الطرق إلى قلوب العرب يمر عبر فلسطين، ولذلك رفعت لواءها طويلًا، لا لتقاتل من أجلها بقدر ما تستخدمها غطاءً أخلاقيًا لمشروعها التوسعي. فالقضية الفلسطينية بالنسبة للنظام الإيراني لم تكن يومًا مبدأً خالصًا، بل كانت – في كثير من الأحيان – أداة شرعنة، ووسيلة استقطاب، وورقة تعبئة عاطفية داخل المجتمعات العربية.

ولو كانت فلسطين هي البوصلة حقًا، لما تحولت العواصم العربية إلى ميادين نفوذ إيراني، ولما استُنزفت سوريا ولبنان والعراق بهذا الشكل الوحشي، ولما غدت الميليشيات أقرب إلى تثبيت المشروع الإيراني من اقترابها من تحرير فلسطين.

إن من يريد أن يواجه إسرائيل يذهب إليها مباشرة أو على الأقل لا يقتل الطريق إليها.

أما أن ترفع شعار العداء للكيان، ثم تجعل همّك الأكبر هو اختراق المجتمعات العربية، وإضعاف الدول، وبناء الجيوب المسلحة، فهذا ليس مشروع مقاومة، بل مشروع هيمنة يختبئ خلف أعلام المقاومة.

ولذلك، فإن العداء الإيراني العميق للأردن لا يُفسَّر فقط بما يفعله الأردن، بل بما يرفضه الأردن.

الأردن يرفض أن يكون ممرًا، ويرفض أن يكون حديقة خلفية، ويرفض أن يتحول إلى ثغرة في جدار الأمن العربي، ويرفض أن يُبتلع في لحظة وهن إقليمي. وهذا الرفض – بحد ذاته – كافٍ لإثارة غضب مشروع اعتاد التمدد في الفراغات والانقسامات والخراب.

لقد خسر النظام الإيراني كثيرًا من أوراقه في الإقليم. سقطت رهانات، واهتزت أذرع، وتعرض نفوذه لضربات قاسية، لا سيما مع تغيّر الموازين في سوريا، وتراجع القدرة على الحركة المريحة في لبنان، وتزايد كلفة الإمساك بالعراق. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الأردن – في نظر طهران – أكثر إغراءً وأكثر استفزازًا في آن واحد: إغراءً لأنه موقع استراتيجي بالغ الحساسية، واستفزازًا لأنه لا يزال صامدًا، متماسكًا، خارج القفص الإيراني.

**وهنا بالذات تتبدى قيمة الأردن **

فقوة الأردن لا تكمن في صواريخه الدفاعية أو في أجهزته الأمنية أو في جاهزية جيشه، بل في شيء أعمق:” في غياب البيئة الحاضنة للمشروع الإيراني”.

وهذه مسألة شديدة الأهمية. فإيران تستطيع أن تعبث حين تجد شقوقًا اجتماعية نافذة، أو انقسامًا أهليًا، أو هشاشة في مفهوم الدولة، أو قابلية لاستبدال الهوية الوطنية بولاءات عابرة للحدود.

أما حين تصطدم بمجتمع يعرف نفسه، ويدرك معنى دولته، ويتمسك بسنيته الجامعة دون أن يسمح بتحويلها إلى مادة احتراب داخلي، فإن المشروع الإيراني يختنق.

ومن هنا نفهم لماذا يحاول النظام الإيراني – كلما اشتدت أزمته – أن يختبر الأردن في الشارع، وفي المزاج العام، وفي الضخ الإعلامي، وفي محاولات بث الفوضى. لأنه يعرف أن إسقاط الأردن لا يبدأ من الحدود، بل من كسر ثقته بنفسه، أو تشويه وعيه، أو زرع الشك بين دولته ومجتمعه. فإذا فشل في ذلك، بقي الأردن هو العقدة المستعصية، والعثرة التي لم تُزح، والحاجز الذي لم ينهَر.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع صاروخ أو مسيّرة أو خلية أو خطاب تحريضي، بل مع فكرة: فكرة أن الأردن يمكن أن يُدجَّن أو يُخترق أو يُعاد تشكيله ليخدم مشروعًا ليس مشروعه.

وهذه الفكرة سقطت مرارًا، وستسقط ما دام الأردن يعرف أن استقراره ليس ترفًا، بل شرط وجود، وأن سيادته ليست بندًا بروتوكوليًا، بل مسألة حياة أو موت في إقليم تتكالب عليه المشاريع.

إن مشكلة إيران مع الأردن، في جوهرها، أن الأردن يرفض أن يكون تابعًا.

ومشكلة المشروع الإيراني مع الأردن، أن الأردن دولة لا تسمح بتحويل جغرافيتها إلى أداة، ولا مجتمعها إلى وقود، ولا عاطفة شعبها إلى سلّم يصعد عليه الآخرون.

ولذلك ستظل إيران تنظر إلى الأردن بعين الغيظ الاستراتيجي:

– بلد صغير في الجغرافيا …

– كبير في المعنى ..

– يقف حيث يجب أن يقف ..

– ويغلق الباب الذي كان المشروع الإيراني يظن أنه سيفتح يومًا.

لكن الأردن – كما أثبت مرارًا – ليس بوابة سائبة في الجدار العربي، بل قفلٌ صلب في وجه من أرادوا للمنطقة أن تُحكم من خارجها، أو تُفتّت من داخلها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا يبدو المشروع الإيراني “ناجحًا”… بينما يبدو العرب “صامتين”؟

في كل مرة يُطرح هذا السؤال:كيف فعلت إيران كل هذا دون رد عربي؟يتسلل في داخله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *