للتاريخ مزاجٌ غريب

للتاريخ مزاجٌ غريب، لا يسير في خطٍّ مستقيم كما نتخيّل، ولا يعود إلى الوراء كما نحبّ أن نعتقد…

إنّه كائنٌ يسكننا بقدر ما يسكن خارجنا، ينمو على أخطائنا الصغيرة كما يتضخّم من أوهامنا الكبرى. …

نحن نظنّ أننا نقرأه في الكتب، بينما هو في الحقيقة يقرأنا نحن، سطرا بعد سطر، جيلا بعد جيل.

ليس التاريخ ماضيا فحسب، بل طبقاتٌ من الوعي المتراكم؛ كأنّ الزمن يكتب نفسه فينا، ثم يمحو ما كتب، ويعيد التجربة بوجوهٍ جديدة…

لهذا يبدو لنا أحيانا كأنه يكرّر نفسه، لا لأن الأحداث متشابهة، بل لأن الإنسان لم يتغيّر بما يكفي ليتعلّم من ظلاله.

كم من أممٍ اعتقدت أنها وصلت إلى نهاية الحكاية، ثم اكتشفت أنها لم تكن سوى فاصلة في جملةٍ أطول !

وكم من قادةٍ ظنّوا أنهم يمسكون بمقاليد العصر، بينما كانوا في الحقيقة مجرّد عابرين في ممرّ طويل لا يذكر أسماءهم إلا عرضا.

التاريخ لا يعرف الحنين الذي نغرق فيه….

نحن من نزيّن الماضي بضياءٍ لم يكن فيه، لأن ذاكرتنا لا تحتفظ بالمرارة كما تحتفظ بالدفء….

نسمّي الأزمنة القديمة “جميلة” ونصف القدامى ممن عرفناهم في أول العمر بالطيبين… لا لأنّ أيامهم كانت كذلك بالضرورة، بل لأننا كنّا أصغر قلبا وأقلّ شكّا فيما يُحيط بنا.

إنّه ليس حكمة خالصة، ولا عبثا خالصا،،، إنّه شيء بين الاثنين:

حركةٌ مستمرة بين المعنى واللا معنى

بين البناء والانهيار

بين الحلم الذي يرفعه الإنسان إلى السماء والواقع الذي يعيده إلى التراب.

كم مرّ من هنا فلاسفةٌ ظنّوا أنهم فهموا سرّ العالم، وكتّابٌ اعتقدوا أنهم أمسكوا بحقيقته في جملة واحدة، وشعراء دوّنوا ارتعاش الروح في قصيدة….

مرّوا جميعا، وتركوا كلماتهم مثل آثار أقدامٍ على الرمل، ثم جاء الموج ومسحها دون رمشة عين.

وكم من فقراء وقفوا على أبواب الغد ينتظرون وعدا بالخلاص؛ وعدا قيل لهم إنّه قادم لا محالة….

كانوا يرفعون عيونهم نحو السماء، بينما كانت الأرض من تحتهم تعيد ترتيب قسوتها بصبر بارد.

التاريخ لا يتوقّف ليشرح نفسه…..

ليس لديه وقتٌ ليتأمّل وجوه ضحاياه أو أحلام الذين صدّقوه….

إنّه يسير كما تسير العاصفة: يقتلع، ويزرع، ويترك خلفه سؤالاً أكبر من كلّ الإجابات.

نحن نحبّ أن نتخيّل أن للتاريخ خطة، أن هناك معنى نهائيا يقود كل هذه الفوضى. لكن الحقيقة ربما أكثر بساطة وأشدّ قسوة:

التاريخ ليس سوى ما يحدث حين يتصادم خوف الإنسان مع طموحه، حين يمدّ يده إلى المستقبل وهو مثقلٌ بماضيه.

ولهذا لا يمكن القبض عليه في قصيدة، ولا في كتاب واحد، ولا في نظرية مكتملة.

إنّه أوسع من الكلمات، وأعند من التفسير…

كل ما نستطيع فعله هو أن نمرّ نحن أيضا من هنا، مثل الذين مرّوا قبلنا ..

نترك أثرا صغيرا في هذا النهر الهائل من الزمن…

ثم نختفي …

بينما يواصل التاريخ سيره ..

غير مكترثٍ بما كتبناه عنه….

ولا بما ظننّاه حقيقةً أخيرة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

التاريخ لا يتغير فقط حين تسقط الدول، بل حين تُفتح الأبواب التي كانت مغلقة خلفها.

أحد الإخوة أرسل مقطعا يتحدث عن سيناريوهات انهيار إيران أو تغيير النظام فيها، وما قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *