ربما يكون الوقت قد حان ليتحوّل الحديث عن الأخوة العربية من شعارٍ يُرفع في القمم… إلى طرقٍ تُمهّد على اليابسة … حين تضيق البحار.
الخبر يقول: الرئيس السوري أحمد الشرع للقادة العرب الذين اتصل بهم مؤخرا:
“إن الموانئ والأراضي السورية تحت تصرفكم بالكامل، ويمكنكم استيراد وتصدير السلع والخدمات مهما طالت الحرب دون أي رسوم”
“لدينا إطلالة على المتوسط وطريق بري مع تركيا، وسوريا بلدكم الثاني، وعمقكم كما تعلمون” …
===
في أوقات اليسر تُدار العلاقات بالمصالح، أمّا في أوقات الضيق فتظهر المروءة.
والمروءة في عالم الدول ليست كلمة عاطفية تُقال في الخطب، بل موقفٌ يُتخذ عندما تختنق الطرق وتضيق الخيارات.
الخليج العربي، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون، لم يقصّر يوما مع الأردن.
عقودٌ من الدعم الاقتصادي، والاستثمارات، وفتح أبواب العمل لمئات الآلاف من الأردنيين، ومساندة سياسية في أصعب اللحظات.
وهي ليست مجرد مواقف تُحسب بالورقة والقلم، بل تاريخ من التكافل العربي الواقعي الذي بُني على الثقة أكثر مما بُني على المصالح.
واليوم، مع تصاعد الحديث عن احتمالات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، تعود الجغرافيا لتفرض سؤالها القديم:
كيف يمكن للعالم العربي أن يفتح طرقا بديلة بعيدا عن نقاط الاختناق البحرية؟
هنا تظهر قيمة الأرض التي تربط الخليج ببلاد الشام.
مضيق هرمز: عنق الزجاجة العالمي …
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية يوميا.
ولهذا يُعد واحداً من أخطر نقاط الاختناق في النظام الاقتصادي الدولي.
أي اضطراب في هذا المضيق لا يعني أزمة إقليمية فقط، بل زلزالا في أسواق الطاقة العالمية.
ولهذا تبحث الدول منذ سنوات عن مسارات بديلة برية أو بحرية تقلل الاعتماد عليه.
بعض هذه البدائل موجود بالفعل، مثل:
خط أنابيب شرق–غرب السعودي إلى البحر الأحمر.
موانئ الإمارات على بحر العرب.
لكن يبقى السؤال الأهم:
هل يمكن أن يتشكل ممر بري عربي – متوسطي يربط الخليج بأوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا؟
هل يمكن الوصول إلى سوريا مباشرة من الخليج؟
هنا يجب توضيح مسألة جغرافية أساسية.
لا توجد حدود مباشرة بين دول الخليج وسوريا.
الطريق البري الطبيعي يكون كالتالي:
الجغرافيا تفرض مسارا بريّا واضحا لأي تجارة خليجية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا ..
يبدأ من دول الخليج عبر الأراضي السعودية،
ثم يعبر الأردن بوصفه البوابة البرية نحو بلاد الشام،
ليصل بعد ذلك إلى سوريا ومنها إلى تركيا،
قبل أن يتجه إلى الأسواق الأوروبية.
بمعنى أن الأردن هو البوابة البرية الطبيعية لأي تجارة خليجية تتجه شمالا نحو بلاد الشام والبحر المتوسط.
وهذا ليس جديدا؛ فالتاريخ نفسه عرف هذا الطريق منذ قرون عبر طرق القوافل التي كانت تعبر الحجاز نحو الشام.
لو أُعيد تفعيل هذا المسار بشكل متكامل، فقد يتحول إلى ممر اقتصادي مهم يخفف الضغط عن طرق الطاقة التقليدية.
السيناريو النظري قد يكون كالتالي:
خروج البضائع أو الطاقة من الخليج عبر السعودية
عبورها الأراضي الأردنية عبر شبكة الطرق والمناطق اللوجستية.
وصولها إلى سوريا ومنها إلى موانئ المتوسط.
أو استمرارها شمالا عبر تركيا نحو الأسواق الأوروبية.
هذا المسار ليس بديلا كاملا عن المضيق، لكنه يمكن أن يصبح صمام أمان إضافيا في أوقات الأزمات.
في هذا السياق تبرز أهمية الأردن.
فالمملكة الأردنية ليست مجرد دولة عبور، بل مفصل جغرافي يربط الخليج ببلاد الشام.
ولذلك فإن اللحظة الحالية قد تكون فرصة ليظهر الأردن شيئا من الشهامة التي عُرِف بها تاريخيا… ليس من باب المجاملة، بل من باب الوفاء.
فالسياسة، مثلها مثل الأخلاق، تقوم على التبادل.
من وقف معك في سنوات الضيق، يستحق أن يجدك واقفا حين تضيق الطرق أمامه….
تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة حول فتح أراضي بلده أمام التجارة الخليجية تعكس إدراكا متزايدا لأهمية هذا الممر.
فسوريا تاريخياً كانت بوابة المتوسط الشرقية للعالم العربي.
وإذا استقرت الأوضاع فيها تدريجيا،،، فقد تعود لتلعب دورها القديم كجسرٍ بين الخليج وأوروبا.
لكن يجب الاعتراف بأن هذا المشروع ليس مسألة طرقٍ مُعبّدة فقط.
هناك تحديات كبيرة:
الاستقرار السياسي
البنية التحتية
التنسيق الاقتصادي
الاستثمار في خطوط نقل وأنابيب
ومع ذلك، فإن الجغرافيا تقول شيئا واضحا:
العالم العربي يملك ممراته البديلة…
لكنه يحتاج إلى الإرادة السياسية لتفعيلها …
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة