في خضم الجدل الدائر حول القواعد العسكرية الأجنبية والميليشيات، يتكرر طرحٌ يبدو للوهلة الأولى متوازنا:
“كلاهما سلاحٌ أجنبي على أرض الدولة… وكلاهما ارتهان للخارج… والنتيجة واحدة.” …
لكن الحقيقة – كما هي دائما – لا تُختصر بهذه السهولة.
المشكلة ليست في وجود سلاحٍ أجنبي فحسب…
بل في طبيعة هذا الوجود، وموقعه من بنية الدولة، ومن يملك قراره.
العلاقات الدولية – في جوهرها – شبكة من المصالح، والضغوط، والتوازنات.
ولا توجد دولة – في عالم اليوم – تعيش في عزلة مكتفية بذاتها، أو تمارس سيادتها في فراغٍ مطلق.
نعم، كثير من الاتفاقيات العسكرية تُبرم تحت ضغط،
وقد تُوقَّع في لحظات ضعف، أو تحت وطأة تهديد،
أو لحماية استقرار داخلي.
لكن ذلك لا يُحوّلها تلقائيا إلى “إذعان كامل”، ولا يُلغي حقيقة أنها فعل سياسي معلن، قابل للمراجعة والتعديل.
السيادة في هذا السياق ليست حالة نقية… بل قدرة مستمرة على إدارة القيود،
لا إنكارها.
الفرق الذي يُسقطه الخطاب الشعبوي:
حين تُوضع القواعد العسكرية والميليشيات في كفّة واحدة،
يتم القفز فوق الفرق الأخطر:
*القاعدة العسكرية:
-وجود خارجي بموافقة الدولة، داخل إطار قانوني،
– حتى لو كان مقيّدًا، يبقى ضمن منظومة قرار وطني واحد.
*الميليشيا:
– قوة مسلّحة خارج الدولة أو فوقها،
– تُنشئ قرارا موازيا، وقد تُعطّل القرار الرسمي بالكامل.
وهنا الفارق الحاسم:
الأولى تقييد للسيادة…
والثانية تفكيك للسيادة.
والفرق بين التقييد والتفكيك… هو الفرق بين دولة تُناور تحت الضغط،
ودولة لم تعد تملك قرارًا لتناور به أصلًا.
أخطر ما في هذا الجدل، هو محاولة تقديم الميليشيا كـ”رد طبيعي” على عجز الدولة، بل أحيانًا كـ”ضمانة حقيقية للسيادة”.
وهذا طرح يحمل في داخله مفارقة قاتلة:
– كيف يمكن لسلاحٍ لا يخضع لدستور، ولا يُحاسَب أمام شعب،
ولا يُعزل إن أخطأ… أن يكون ضامنا لسيادة يفترض أنها تقوم على وحدة القرار والمسؤولية؟!!!
التجربة التاريخية واضحة:
كل سلاح خرج عن الدولة – مهما كانت نواياه الأولى- انتهى إلى أحد مسارين:
إما حرب داخلية… أو ارتهان خارجي أعمق.
لم يملأ فراغا… بل صنع فراغات أكبر.
طيب …هل إنهاء القواعد مجرد وهم؟
يُقال: “الحديث عن إنهاء القواعد بقرار سياسي مجرد تنظير… فموازين القوى تمنع ذلك.”
وهذا صحيح جزئيا… لكنّه لا يُبطل الفكرة، بل يُكملها.
نعم، الخروج من القواعد ليس سهلا… وقد يكلّف الدولة ضغوطًا أو عقوبات…
لكن الفارق الجوهري يبقى قائما:
-هناك أصلا قرار يمكن ممارسته – ولو تحت ضغط.
أما حين يكون السلاح خارج الدولة…
فلا يوجد قرار أصلا.. لأن مراكز القوة متعددة، والسيادة موزّعة.
حتى المقارنة بين “الضغط الناعم” للقواعد و”القوة الخشنة” للميليشيات،
تُغفل حقيقة أبسط:
– ليس كل نفوذ خارجي… انهيارا للسيادة.
النفوذ قد يقيّد القرار…
لكنه لا يُلغيه.
أما حين يصبح الداخل نفسه ساحة نفوذ غير خاضع للدولة،
فنحن لا نتحدث عن ضغط… بل عن تفكك في بنية القرار ذاته.
السيادة لا تُقاس برفض “ورقة اتفاق”… ولا تُستعاد برفع بندقية خارج إطار الدولة.
السيادة هي:
– أن يكون هناك مركز قرار واحد،
– أن تُدار من خلاله القوة،
– وأن تُحاسَب من خلاله السلطة.
كل ما عدا ذلك — مهما تجمّل بالشعارات —وهو انتقال من قيدٍ يمكن إدارته…
إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
في النهاية أقول:
لا تخدعوا أنفسكم بالشعارات يا قوم ..
ليس كل ما يبدو “مقاومة” يُنتج سيادة ..
وليس كل ما يبدو “تحالفًا” يُلغيها…..
الفرق لا يُقاس بالاستعراض بالصوت العالي فوق منابر الاعتراض والتخوين…
بل بالنتائج:
هل بقيت الدولة قائمة بقرار واحد؟
أم تحولت إلى ساحة تتنازعها البنادق؟
هنا فقط… يمكن أن نفهم الفرق بين:
دولةٍ تحت الضغط…
ودولة تحت التفكيك….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة