اتفاق واشنطن وطهران….الهدنة الأسوأ في الحرب الأخطر

في الوقت الذي كان العالم يحبس أنفاسه ترقبًا لانتهاء المهلة التي ضربها ترامب – والتي بموجبها توعد إيران بطمس حضارتها وإعادتها إلى العصر الحجري- توقف العدّ العكسي في اللحظات الأخيرة بإعلان التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين تبدأ بوقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز.

على الفور تدفقت التصريحات على إثر هذا الإعلان، سواء من طرفي الحرب اللذيْن أعلن كل منهما انتصاره، أو من الأطراف الوسيطة أو تلك التي وقفت على الحياد، الجميع ينسب لنفسه الفضل في نجاح المفاوضات، وكأن ما تم التوصل إليه كفيل بنزع فتيل الأزمة.

على الرغم من أنها الحرب الأخطر التي ينظر إليها على أنها قيد الاحتمال لاندلاع حرب إقليمية كبرى أو ربما حرب عالمية، إلا أن هذا الاتفاق هو الأسوأ على الإطلاق، ولا يتناسب مع خطر الصراع وآثاره المتحققة والمحتملة، فهي هدنة هشة، منقوصة، مبهمة، مضللة، أسقطت من حساباتها مصالح جوهرية للآخرين.

لا يتضح من معالم ما تم الاتفاق عليه سوى بندين اثنين، الأول: وقف إطلاق النار، وهو في الحقيقة لا يعتبر بندًا، وإنما هو مقدمة ضرورية حتمية للتفاهم، والثاني: فتح مضيق هرمز والذي كان في الأصل مفتوحًا وتم إغلاقه من قبل إيران أثناء الحرب.

عدا ذلك فهي بنود في مسودات تتناقلها وسائل الإعلام، بينما يكذبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويؤكد أنها مخالفة لمجموعة الشروط التي وافق عليها، وأنها لن تبحث إلا خلف الأبواب المغلقة.

هذا الإبهام فتح الباب على مصراعيه للتصريحات المتضاربة من قبل أطراف الحرب حول بنود محورية، فمنها تخصيب اليورانيوم، تدعي إيران أنه تم إقرار حقها في التخصيب، بينما تكذب واشنطن ذلك وتقول إنه يتعارض مع الشروط الأمريكية.

وبينما تعلن الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق بشأن فتح الملاحة في مضيق هرمز، تخرج التصريحات الإيرانية لتقول إن المرور سيكون بالتنسيق مع إيران، بما يعني استمرار تحكمها في المضيق.

ومما يعزز من القول بهشاشة وعوار هذا الاتفاق، هو الرفض الإسرائيلي الواضح لقبول ترامب بالهدنة، إذا أنه ما إن تم الإعلان عنها حتى بادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي بشن عملية هي الأشد والأخطر منذ الحرب حيث استهدفت لبنان بهجمات ضارية قتل وأصيب على إثرها حتى وقت كتابة هذه السطور أكثر من ألف شخص، بما يثير التساؤلات حول هذا الانفصال بين السلوكين الأمريكي والإسرائيلي، وما إن كان ترامب قد اتخذ القرار بمعزل عن الإرادة الإسرائيلية أم أنها مناورة يريد بها تجزئة الاتفاق، من أجل فرض واقع إسرائيلي جديد ضمن مشروع التوسع الصهيوني.

ثم يظهر في هذه القضية التباين في الموقفين الأمريكي والإيراني، فترامب قد صرح بأن وقف إطلاق النار على لبنان ليس ضمن ما تم الاتفاق عليه، وأنها معركة خاصة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني سوف يتم التعاطي معها منفردة.

وأما إيران، فقد نددت بالهجمات وقالت إن لبنان ضمن المناطق التي يشملها وقف إطلاق النار، وهددت بورقة مضيق هرمز مرة أخرى.

إذن، فما الذي تم طرحه للتفاوض وما الذي تم قبوله أو رفضه بينما تتعدد وتتناقض الروايات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية؟

وما يجعلني أصف هذه الهدنة بالنعوت السالفة، أنها لا تتجاوز أن تكون هدنة أمريكية إيرانية، لا وجود في مسوداتها ولا بنودها التي يتم مناقشتها لأي اعتبار لمصالح أطراف عربية لم تخض هذا الصراع.

فأين مصالح الدول الخليجية من هذه المفاوضات، تلك الدول التي لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب بين مشروعين كلاهما يعتبر الوطن العربي مجالا له.

لقد صمدت دول الخليج ضمن محاولات الاستدراج لخوض هذه الحرب، ولم تسمح لاستغلال أراضيها لضرب إيران، ومع ذلك تم استهدافها من قبل إيران التي كانت تتحجج بوجود منشآت أمريكية على أرض الخليج، على الرغم من أن دول الخليج ليست وحدها من يستضيف على أرضه تلك المنشآت، فوفقا لتقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو/تموز 2024، فإن الجيش الأمريكي يستخدم ما يزيد عن 128 منشأة عسكرية في 51 دولة.

ومع الأضرار والخسائر الاقتصادية والبشرية والاستراتيجية الفادحة التي تكبدتها دول الخليج جراء هذه الحرب، خلت المسودات من أي حديث عن تعويضات لهذه الدول، وخلت من أية ضمانات أمنية لها حيال العبث الإيراني.

وبعد ساعات من إعلان الهدنة، استهدفت إيران خط أنابيب سعوديًا، كما استهدفت منشآت نفطية في الكويت والإمارات، بما يكشف أن الأمن الخليجي ليس على طاولة التفاوض، وأن الولايات المتحدة لا تعبأ بمصالح الدول الخليجية.

وعلى الجانب الآخر، لم نجد ذكرًا لغزة ولا للقضية الفلسطينية في الطرح الإيراني للمفاوضات، على الرغم من التأييد الذي تحظى به إيران في أوساط فلسطينية، لتثبت المرة تلو المرة أن فلسطين في الخطاب الإيراني ليست سوى صبغة ديماغوجية لتحريك واستقطاب الشارع العربي، بهدف خلق بيئة تقبل النفوذ الإيراني تحت شعار مقاومة إسرائيل، إضافة إلى ضرب العلاقات بين النظم السياسية وشعوبها.

حتى كتابة هذه السطور، ومن خلال تداعيات الإعلان عن الهدنة، لا يبدو أن هذه الهدنة تأسيس للسلام، وإنما هي فرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف آثار الاضطراب في أسواق الطاقة، ومخرج لترامب من الوعيد المزلزل الذي أطلقه لمحو إيران، والتي كانت تتحين بدورها أية فرصة لوقف القتال واتقاء ضربات لا تعلم مداها، بشكل لا يخل بالهيبة التي حاولت رسم معالمها بالرد الصاروخي.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هندسة الوعي: حين يتحول الاستوديو إلى مصنع للرواية

حين تتابع بعض القنوات في تغطيتها للأحداث، لا تحتاج إلى جهد كبير لتكتشف أن المسألة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *