أحقًّا… لا مشروع لأهل السنّة؟

أحقًا هذا الامتداد البشري الهائل، وهذا التاريخ الذي ملأ الأرض علمًا وعمرانا ومدنية وتأثيرا… أصبح فجأة فراغا؟

أيُعقل أن أمةً بنت حضارات، وأقامت دولا، وأدارت جغرافيا تمتد من المحيط إلى المحيط… تُختزل اليوم في رواية تقول: “لا شيء لديها”؟

أم أن المشكلة… ليست في غياب المشروع،

بل في تعريف المشروع عند من لا يرى المشاريع إلا بالجَلَبة والضجّة وقرع السكاكين والعودة إلى الصفر باسم أمجاد لم تكُن وبطولات ليس لها معالم؟

فإن كان المشروع عندكم هو الصراخ… فالهدوء غياب.

وإن كان هو الفوضى… فالنظام عجز.

وإن كان هو الخراب… فالبناء تهمة والنأي بالنفس عن أسباب التدمير جريمة وعمالة ..

وهنا تُفهم الحكاية:

ليست القضية أن أهل السنّة بلا مشروع…

بل أن هناك من لا يرى المشاريع إلا إذا احترقت الأرض !

نعم… هناك مشروع لأهل السُنّة.. لكنه لا يبيع الوهم، ولا يتغذى على الدم،

ولا يُقاس بعدد الصواريخ ولا بمقدار القنابل الكلامية فوق المنابر المشبوهة …

بل بقدرته على البقاء والبناء وحفظ الإنسان….

أما أن يُقال لك: “لا وجود إلا لنا”… فهذه ليست ثقة،

بل خوفٌ من أي حضورٍ آخر.

من يحتاج أن يُقنعك أن غيره “غير موجود”… هو أول من يشعر في داخله

أن وجوده ليس كافيًا….

يا بني ديني ودمي :

ليست أخطر ما في الصراع… الأسلحة، ولا التحالفات،

ولا حتى الخرائط التي تُرسم في الغرف المغلقة…

بل أخطر ما فيه:

إعادة تعريف الوعي…..

أن يُقنعك أحدهم أن الساحة لا تتسع إلا لقطبين، وأنك – إن لم تنضوِ تحت أحدهما – فأنت خارج التاريخ….

اليوم يُراد للمسلم أن يُختزل… بين مشروعٍ يُعلن عداوته،

ومشروعٍ يتدثر بشعار “المقاومة” وهو يعمل بمنطق الدولة والمصلحة…

وبينهما… يُطلب منك أن تختار…. لا أن تفكر.

لا أن تبني …

لا أن ترى طريقًا ثالثًا….

وهنا تقع الخديعة الكبرى…حين يُقال لك:

“لا يوجد في الميدان إلا هذا وذاك” .. فهذا ليس وصفًا للواقع…

بل مصادرةٌ له….

أين ذهب هذا الامتداد السني العريض؟

أين ذهبت دُوله، وشعوبه، ومجتمعاته، ومؤسساته؟

أين ذهبت العقول التي تعمل بصمت، والقوى التي تبني دون ثرثرة ،

والدول التي اختارت الاستقرار طريقا دون استعراض…

يا قوم :

ليس كل من لا يصرخ… غائب…. وليس كل من لا يُشعل الحرب… عاجز.

هناك مشاريع تُبنى بهدوء، وتُدار بعقل الدولة لا بعاطفة المنبر،

وتفهم أن البقاء… ليس بالشعارات، بل بالتوازن…

إن اختزال الأمة في محورين…

هو أخطر من أي سلاح…. لأنه يسلبها حقها في أن تكون أمة،

ويحوّلها إلى جماهير تُصفّق لهذا أو ذاك .. بدل أن تكون فاعلًا يملك قراره.

والأخطر من ذلك…

أن يُقنعك بعض أبناء جلدتك

أن “المروءة” حكرٌ على مشروعٍ بعينه، وأن الكرامة لا تُنال إلا عبر بوابته…

أيُّ منطقٍ هذا…

الذي يجعل المسلم يبحث عن عزته في سرديةٍ صاغها غيره،

ثم يُطلب منه أن يُسلّم بها كأنها قدر؟

نحن لا ننفي وجود مشاريع… ولا نُبرئ أحدًا من الحساب،

لكننا نرفض أن يُختطف وعينا، وأن يُختصر تاريخنا، وأن يُلغى حضورنا.

الأمة الإسلامية السُنية ليست فراغًا… ولا تابعًا… ولا ظلاً لمشاريع الآخرين…

هي عمق هذه المنطقة، وهي ثقلها، وهي التي – حين تُدرك نفسها –

لا تحتاج أن تستعير بطولةً من أحد.

ولهذا…

سنبقى نكشف هذا الطرح الذي يحصر الخيارات، لا لأنه يسيء لخصومه فقط،

بل لأنه يسيء لنا نحن……

حين يُريدنا أن ننسى أنفسنا….

أخطر الهزائم…

ليست أن تخسر معركة، بل أن تُقنعك روايةٌ ما ..

أنك لم تكن موجودا أصلا.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هندسة الوعي: حين يتحول الاستوديو إلى مصنع للرواية

حين تتابع بعض القنوات في تغطيتها للأحداث، لا تحتاج إلى جهد كبير لتكتشف أن المسألة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *