فما من خُلقٍ يُمدح لذاته خارج سياقه، ولا من انفعالٍ يُذمّ بمعزلٍ عن موضعه.
فلكلِّ مقامٍ حدُّه، ولكلِّ حالٍ ميزانُه… والحكمة ليست في كبح الشعور، بل في معرفة موضع إطلاقه…
ليست الحِدّة خروجًا عن الاتزان دائمًا، كما أن الهدوء ليس دليل نُبلٍ في كل حال… بل قد يكون الصمت في بعض المواطن نقصًا، ويغدو التعبير—ولو جاء حادًّا—استردادًا لحقٍّ لا اعتداءً عليه.
من حقّ الأردني أن يغضب… حين يُمسّ وطنه، أو يُختزل، أو يُدفع إلى صورةٍ لا تشبه تاريخه ولا مقامه.
هذا ليس اندفاعا… ولا استعراضا عاطفيا … بل استجابة فطرية لإنسانٍ يعرف أن هذه الجغرافيا التي يُطلق عليها ( الأردن) ليست أرضا وحدودا وعلما وجيشا ودستورا فقط… بل امتداد وجوده.
هو الطين الذي تشكّلت منه ملامحه، والذي خطا عليه أولى خطواته،
والذي تختبئ في طبقاته ذاكرة أهله، وتنبض في ذرّاته قصص البقاء والعزّة والكبرياء.
الأردن لا يُختصر في رأيٍ دنيء هنا… ولا يُقاس بانفعال صاحب رأي مُشوّه هناك..
الأوطان تُعرف بما تحمّلت… لا بما قيل عنها …
– أكثر من 2.5 مليون لاجئ احتضنهم الأردن، لا من فائض، بل من اقتسامٍ لما يملك .. هذا الأردن الذي نعرفه ..
– حدودٌ مفتوحة على النار… ومع ذلك بقي واحة استقرار نادرة …
– وصايةٌ هاشمية على القدس… لم تكن شعارا، بل موقفا ممتدا بالفعل والكلفة.. وبين المُمكن واللا مقدور عليه مسافة لا يُدركها إلا أصحاب النوايا الطيبة والعقول الواعية..
– دعمٌ لغزة والضفة الغربية… مستشفيات، جسور، حضور سياسي لا يتبدّل مع المواسم ..
– مؤسسات أمنية وعسكرية… تصنع الاستقرار بموارد محدودة وعقل محترف..
* الأردن لا يصرخ… ولا يزايد… ولا يبيع القضايا في مزاد العاطفة والوهم .
* لا يحرّض… ولا يغامر بدماء غيره… ولا يزجّ بالبسطاء والمُغفلين في حروبٍ عبثية ليكسب جمهورا أخرقا مُشوّها لطالما هتف للدجالين والمنافقين وأهل الخسة والنذالة….
الأردن دفع الكلفة… بصمت…. وهذا ما لا يفهمه من اعتاد الخُطب الرنانة والشعارات ..
ولهذا…
من يُقلّل من الأردن، ليس بالضرورة خصما… لكنه -في أحسن أحواله – جاهل بوزن ما يتحدث عنه ..
أما الاختلاف مع مسؤول أو قرار أو من أجل خطأ او لصوصية أو فساد.. فذلك طبيعي، لكن تحويله إلى انتقاصٍ من وطنٍ كامل… فهذا خلل في البوصلة… لا في الأردن….
الأردن ليس رقمًا يُزاد… بل قيمةٌ يُقاس بها غيره….
دولة أثبتت – لا بالشعارات ولا بالدجل ولا بالاستعراض بل بالأثمان –
أنها تقف حيث يجب أن تكون… حتى حين لا يقف أحد.
هذا بلدي الأردن… هكذا أراه، لا كما يُراد لي أن أراه….
ومن حقّ الأردنيّ – كما سواه – أن يرى وطنه بعين الإنصاف …
وأن يقول فيه خيرا… لا تزييفا، بل وفاءً لما يعرفه عنه، ويعيشه فيه…
فالانتماء الصادق ليس ادّعاءً… بل شهادة حقّ في وجه الفوضى والمارقين..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة