من كسرى إلى الحرس الثوري إلى نظرية أم القرى ..إيران وعينٌ على مكّة ..

لماذا تتجه بعض بنادق طهران نحو “مكة” قبل القدس؟

في التاريخ لحظات قصيرة لكنها تكشف طبائع الأمم أكثر مما تكشفه القرون الطويلة.

ومن تلك اللحظات ذلك المشهد القديم حين وقف رسول النبي ﷺ في بلاط كسرى، يحمل رسالة قصيرة لكنها كانت أخطر من الجيوش.

لم يكن الكتاب يحمل تهديدًا ولا وعيدًا، بل دعوة إلى الحق.

لكن كسرى، إمبراطور فارس، مزّق الرسالة في لحظة كبرياء.

وحين بلغ الخبر رسول الله ﷺ قال كلمته التي سجلها التاريخ:

«مزّق الله مُلكه».

بعد سنوات قليلة فقط انهارت الإمبراطورية الفارسية أمام موجة الفتح الإسلامي، وانطفأت نار المجوس التي ظلت مشتعلة قرونًا.

لكن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات قد تسقط، أما الأحلام الإمبراطورية فقلما تموت.

*الثورة التي تحولت إلى مشروع دموي:

حين قامت الثورة الإيرانية عام 1979، رُفعت شعارات بدت جذابة لكثير من المسلمين:

-المستضعفون.

-القدس.

– الوحدة الإسلامية.

لكن مع مرور السنوات بدأ يتضح أن الثورة لم تكن مجرد تغيير سياسي داخل إيران، بل مشروعًا إقليميًا واسعًا يقوم على فكرة تصدير الثورة وبناء نفوذ عابر للحدود.

فخلال أربعة عقود فقط تمدد النفوذ الإيراني عبر شبكة من التنظيمات المسلحة في عدة دول:

-حزب الله في لبنان بأسلوبه الإرهابي القمعي مع من يخالفه

-الميليشيات الإجرامية الوحشية في العراق

-التدخل العسكري في سوريا والمجازر التي ارتكبتها المليشيات الإيرانية

– الحوثيون والمذابح التي ارتكبوها في اليمن

هذا الامتداد من بيروت إلى صنعاء لم يكن مجرد تحالفات، بل جزءًا من رؤية استراتيجية لبناء محور إقليمي تقوده طهران.

لكن المفارقة الكبرى أن هذا المشروع الذي يرفع شعار القدس،

قضى معظم طاقته في المدن العربية.

**حين تتحدث التصريحات:

المشكلة في السياسة ليست في الشعارات، بل في ما يكشفه القادة حين يتحدثون بصراحة.

– ففي خطابات عديدة هاجم المرشد الإيراني علي خامنئي القيادة السعودية بشدة، واصفًا سياساتها بأنها خيانة للمسلمين بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة، كما دعا إلى التفكير في حل لإدارة الحرمين بدلًا من السعودية.

– بل ذهب خامنئي أبعد من ذلك حين قال إن الأراضي المقدسة في مكة ومِنى لا تخص حكام السعودية بل المسلمين جميعًا.

– وفي سياق التوترات بين البلدين حذّر المرشد الإيراني السعودية من “انتقام إلهي” بعد إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر، وهو تهديد رفع مستوى المواجهة بين البلدين.

– كما وصف خامنئي القيادة السعودية بأنها “عديمة القيمة” وأن سياساتها ستؤدي إلى سقوطها في النهاية.

هذه التصريحات ليست مجرد سجال إعلامي، بل تعكس صراعًا عميقًا على القيادة الدينية والسياسية للعالم الإسلامي.

نظرية أم القرى :

هي نظرية معروفة لدى الإيرانيين، ولا تخلو منها خطب ودروس المساجد، وتتحدث عنها المراجع العلمية الشيعية منها كتاب “مقولات في الاستراتيجية الوطنية” لمؤلفه محمد جواد لاريجاني.

هذه النظرية تنطلق من ولاية الفقيه الذي يجب أن يخضع له الجميع، وأن إيران لها موقع جغرافي ممتاز، وأن لها مسئولية تجاه العالم الإسلامي، ومن ثم تصبح إيران هي أم القرى ودار الإسلام، وكل الدول الأخرى تكون ولايات تابعة لها.

وتتعلق هذه النظرية بأطماع إيران في السعودية، حيث أنه لن يتم الإعلان عن دولة الإسلام “أم القرى” إلا بعد احتلال مكة، وفي ذلك يقول الباحث خالد الزرقاني خلال حديثه عن الأسس التي تقوم عليها النظرية:

“الأرض التي يجب أن تكون عاصمة دولة أم القرى “يقصدون إيران”، هي مكة المكرمة.

وبعد أن تصبح مكة المكرمة عاصمة الدولة، يتم الإعلان الرسمي عن ولادة أم القرى. “

والجدير بالذكر أن هذه النقطة سرية، غير معلنة في السياسة الخارجية الإيرانية، لكنها تُدرّس في حوزات قم وتُطرح في جامعات إيران، كحلم إيراني يعملون على تحقيقه”.

فدولة أم القرى عند الإيرانيين لا تقوم إلا بعد احتلال مكة والمدينة، وهذا ما تعمل عليه إيران، عن طريق بناء جيش قوي، ومد نفوذها في الخليج، ودعم الخلايا النائمة وأتباعها من الشيعة في كل بقعة.

ويقول لاريجاني في شرح النظرية بكتابه الذي اشتهر به، وأصبح بسببه من العقليات التي صاغت السياسة الخارجية لإيران:

“وفي إطار ذلك يجب ألا تعترف إيران بالحدود الجغرافية والأيديولوجية؛ لأنها حدود مصطنعة ينبغي على إيران أن تزيلها بالقوة أو دعم العنف داخل الدول العربية؛ لأنها -أي إيران وفق نظرية أم القرى- هي القلب المذهبي الذي يسعى للتوسع لبناء الإمبراطورية الشيعية الإيرانية الموعودة لتكون النواه لدولة المهدي –الشيعية- المنتظر، والذي سوف ينقذ العالم”.

من الكلام إلى الوقائع :

التصريحات وحدها لا تكفي لفهم أي مشروع سياسي.

لكن حين تُقارن الكلمات بالأحداث يصبح المشهد أوضح.

– فخلال السنوات الماضية تعرضت السعودية والخليج لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة نفذها الحوثيون المدعومون من إيران، واستهدفت منشآت النفط والمطارات والمدن.

– وفي الهجوم الشهير على منشآت أرامكو عام 2019 تعطّل نحو نصف إنتاج النفط السعودي مؤقتًا، في واحدة من أخطر الضربات للبنية الاقتصادية في المنطقة.

– كما اعترضت الدفاعات الجوية الخليجية في أكثر من مناسبة صواريخ وطائرات مسيّرة كانت متجهة نحو الرياض ومناطق النفط.

** هذه الوقائع تطرح سؤالًا بسيطًا:

إذا كان الهدف تحرير القدس…

فلماذا كانت الصواريخ تتجه نحو الرياض وأبها وجدة؟

**الحرمين الشريفين في قلب الصراع:

التوتر بين طهران والرياض لم يكن سياسيًا فقط، بل وصل إلى قضية الحرمين.

– فبعد حادثة تدافع منى عام 2015 شن خامنئي هجومًا شديدًا على إدارة السعودية للحج، وطالب العالم الإسلامي بمراجعة إدارة مكة والمدينة.

– كما شهد موسم الحج عام 1987 مواجهات دامية بين الحجاج الإيرانيين وقوات الأمن السعودية بعد مظاهرات سياسية نظمتها إيران داخل المشاعر المقدسة.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت مكة والمدينة جزءًا من الصراع الرمزي والسياسي بين المشروعين.

** بين القدس والعواصم العربية:

ليس من العدل اختزال المشهد في مواجهة بسيطة بين محورين.

فالاحتلال الإسرائيلي ارتكب ولا يزال يرتكب جرائم جسيمة في فلسطين،

ولا يمكن لأي مسلم أن يقبل بذلك.

لكن المشكلة تظهر حين تتحول هذه القضية العادلة إلى غطاء لمشروع توسع إقليمي.

فخلال العقدين الماضيين دُمِّرت مدن عربية كبرى:

بغداد.

حلب.

صنعاء.

وبيروت ….

وتم العبث الإيراني في أحشاء:

الكويت

البحرين

وبعض المُدن السعودية ..

وقُتل مئات الآلاف من العرب في حروب داخلية شاركت فيها ميليشيات مرتبطة بإيران.

وفي المقابل بقيت الجبهة مع إسرائيل هادئة نسبيًا في كثير من السنوات.

وهنا تظهر الحقيقة التي يعرفها خبراء السياسة:

لا تحكم على المشاريع السياسية من شعاراتها…

بل من اتجاه بنادقها.

إيران ترى نفسها منافسًا للسعودية على القيادة السياسية والدينية في المنطقة.

ففي نظر كثير من مراكز الدراسات، تمثل السعودية الخصم الإقليمي الأهم لإيران في صراع النفوذ في الشرق الأوسط.

ولهذا فإن الصراع ليس مجرد خلاف سياسي،

بل صراع على النفوذ والشرعية والقيادة في العالم الإسلامي.

الأهم من كُل ما سبق :

مكة والمدينة ليستا مجرد مدينتين.

إنهما قلب العالم الإسلامي

والرمز الذي تهفو إليه قلوب المسلمين جميعًا.

ولهذا فإن أمن الحرمين ليس قضية دولة واحدة،

بل قضية أمة كاملة.

التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات قد تعود بثياب جديدة،

لكن الشعوب التي تعرف تاريخها جيدًا لا تسمح لتلك الإمبراطوريات أن تعود بسهولة.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق:

هل يمكن تحرير القدس عبر تدمير العواصم العربية وتخريب مكّة؟

أم أن الطريق إلى القدس…

يمر أولًا عبر حماية أوطان الأمة من مشاريع الهيمنة أيًا كان مصدرها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا ينجح أعداء الأردن أحيانا في رواية قصته أكثر من الأردنيين أنفسهم؟

– من يفهم التاريخ يدرك أن الأمم لا تُهزم -على الحقيقة- حين تخسر أرضا أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *