ما إن بدأ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وما استتبعه من التصعيد بين الجانبين، حتى عادت للواجهة آفة الإلزام بما لا يلزم من التخندق، ووضْع حتميات عقيمة تجاه الصراع.
برز من يفرض الاصطفاف مع إيران باعتبار أنها قد دخلت في صراع مع العدو التقليدي اللدود للأمة وهو الكيان الإسرائيلي، وبالغ أصحاب هذه التوجه في أهمية إيران كخط دفاع أول للمنطقة العربية ضد الهيمنة الإسرائيلية، وأنه في حال سقوط الجمهورية الإيرانية فإن الكيان الإسرائيلي سيبتلع المنطقة بعد تنحية منافسه الإيراني عن الساحة.
لا شك أن كل ما يصيب الكيان المحتل وينال منه هو باعث حثيث للقبول والترحيب والتهليل من كل شعوب الأمة العربية والإسلامية، مهما كانت هوية اليد التي امتدت للكيان بالضرر، لكن ذلك لا يستلزم ولا يفرض علينا الاصطفاف مع إيران ونسيان تاريخها الأسود ويدها الملطخة بدماء الأمة.
ولكن هل تعتبر إيران بالفعل هي خط الدفاع الأول لمنطقتنا العربية؟ للإجابة على هذا السؤال يتعين علينا الوقوف على حقيقة العلاقة بين إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى.
من التدليس والتضليل القول بأن إيران تخوض معركة نيابة عن الأمة، لأننا في الحقيقة أمام صراع بين مشروعيْن تخريبييْن في المنطقة، بينهما تشابه كبير، فأبرز أوجه هذا التشابه:
أولا: التحشيد على الفكرة الدينية المركزية، أسطورة أرض المعاد بالنسبة لإسرائيل، ونظرية الولي الفقيه بالنسبة لإيران.
ثانيًا: كلاهما يتخذ من المنطقة العربية ساحة عمل، فإسرائيل تركز على منطقة بلاد الشام ومصر، بينما تركز إيران على منطقة الخليج والعراق.
ثالثا: كلاهما يعتمد استراتيجية الدفاع عن نفسه خارج الحدود، وفي المنطقة العربية، فإسرائيل تعتمد على التفوق العسكري الهائل، وإيران تعتمد على الأذرع الإقليمية بحسب أحد الباحثين.
رابعًا: الطرفان يتشاركان ذات الانفصال الثقافي والسياسي والإثني في المحيط العربي، وكلاهما يرى حق التفوق والتميز على العرب.
خامسًا: كلاهما له مشروع توسعي استعماري في المنطقة العربية، فإسرائيل تنطلق من قاعدة نبوءاتية بأن أرضها من النيل إلى الفرات، وأما إيران فإنها تنطلق من نظرية أم القرى التي أسس لها المنظر الأكاديمي محمد جواد لاريجاني، وترتكز على فكرة أن إيران هي أم القرى وليست مكة، باعتبارها حاملة الإسلام الصحيح، وتنص النظرية على وجوب قيادة العالم الإسلامي والتوسع في الجوار على أساس قوة العمل والنشاط خارج الحدود.
هذا التشابه أوجد مسارًا آخر للتفاهم وتقاطع المصالح بين إيران، وأمريكا وإسرائيل، بالتوازي مع الخطاب الاستهلاكي والتعبوي.
بينما كانت ترفع شعارات إيرانية رنانة على غرار “الموت لإسرائيل”، “أمريكا هي الشيطان الأكبر، تمت صفقة الأسلحة الأمريكية المعروفة بفضيحة إيران جيت، إبان الحرب العراقية الإيرانية، والتي بموجبها باعت أمريكا أسلحة لإيران بوساطة إسرائيلية.
وبينما كانت الولايات المتحدة تتحدث عن المشروع النووي الإيراني وخطورته وتبحث فرض العقوبات على إيران، كانت الأخيرة تساعد القوات الأمريكية في غزو العراق وأفغانستان باعتراف القادة الإيرانيين أنفسهم.
إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد استشعرتا خطر البرنامج النووي الإيراني على مصالحهما فلماذا تم تأجيل العمل على إسقاط النظام على الرغم من أن البرنامج قد بدأ منذ عقود، حتى من قبل الثورة الخمينية في نهاية السبعينيات؟
أمريكا وطفلتها المدللة تعلمان أن إيران لها مشروع توسعي إقليمي وأطماع في الدول العربية، هذا المشروع يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة العربية بشكل كبير، أبرز هذه المصالح هو إضعاف المحيط العربي وتفتيته، وهذا تحديدا ما فعلته إيران بمشروعها التوسعي.
فالعراق التي كانت تعد القوة العربية الأقوى والأخطر على الكيان الإسرائيلي، تبددت قوتها العسكرية والاقتصادية بتحالف أمريكي إيراني، ثم سلمتها أمريكا لإيران بعد نهب خيراتها وتفتيتها لتكمل إيران مسيرة الهيمنة على العراق الممزقة.
وفي سوريا، كانت الثورة السورية قاب قوسين أو أدنى من إسقاط النظام وبداية عصر جديد بعيدًا عن حكم آل الأسد المستبد، لولا الدعم الإيراني عسكريا ولوجستيا لمساندة نظام الأسد، ما أدى لطول أمد الحرب التي دمرت سوريا وتركت للشعب السوري إرثًا ضخما من الفقر والنزاع الداخلي والنزعات الانفصالية، يجري فيها مخطط التقسيم على قدم وساق.
وفي لبنان، كان الذراع الإيراني المسمى بحزب الله، أبرز المعضلات السياسية في الداخل اللبناني، إذ كان ولا يزال – بولائه لإيران- دولة داخل الدولة، يخرج عن السياق الوطني ويتصرف في الملفات الخارجية بمعزل عن الدولة، مثال ذلك: المذابح التي ارتكبها في القصير السورية دعمًا لبشار الأسد.
وفي اليمن، كان الحوثي هو الذراع الإيراني الذي أطلق شرارة النزاع الداخلي والحرب التي حولت اليمن إلى منطقة منكوبة، وبسبب الدعم الإيراني تمكن الحوثي من السيطرة على مناطق واسعة، وأصبحت اليمن مجزأة بين الحكومة الشرعية والحوثي والجنوب الانفصالي.
فكيف يقال إن إيران خط الدفاع الأول لنا وهي التي خرّبت الدولة العربية وأسهمت بشكل أساسي في تفتيتها وإضعافها؟
وكيف يقال إن إيران تخوض معركة الأمة وهي التي تقاسمت مع العدو الصهيوني المسؤولية عن إرهاق الأمة، فلئن كانت إسرائيل تحتل فلسطين والجولان، فإن إيران تحتل الأحواز العربية والجزر الإماراتية، كلاهما محتل، فكيف نقول عن إيران المحتلة أنها خط الدفاع الأول؟
وها هنا ننبه على أمور هامة:
أولها: أن خصومتنا مع إيران ليست على أساس طائفي، وليس لأنها دولة تقوم على المنهج الشيعي، بل لأنها دولة استعمارية ذات مشروع تخريبي في الوطن العربي.
ثانيها: أن هذه الخصومة مع نظام الملالي، نظام الولي الفقيه، وليس مع الشعب الإيراني الذي نتمنى له السلامة والأمان والرخاء بكل مكوناته.
ثالثها: أن الغرض من التحذير من المشروع الإيراني ليس بغرض التقليل والتهوين من العدو الإسرائيلي، بل لأن عداوة دولة الاحتلال وحليفها الأمريكي واضح لا لبس فيه، بينما الخطر الإيراني لا تدركه شريحة واسعة من الشعوب العربية فوجب التنبيه والتحذير.
إنها ليست معركتنا، بل هي معركة بين مشروعيْن كلاهما خطر على أمتنا، وإضعاف الجهتين فيه مصلحة ظاهرة لنا، وكما نتمنى بأن تتحرر فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، نتمنى كذلك أن تتحرر إيران من نظام الملالي.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة