مشروعٍ إنسانيٍّ متكامل

العظمةُ التي جاء بها القرآن الكريم ليست عظمةَ فكرة مجرّدة تُعلَّق في فضاءِ الاعتقاد، ولا مجرّد إعلان نظريٍّ عن وحدانية الخالق جلَّ جلاله؛ بل هي عظمةُ مشروعٍ إنسانيٍّ متكامل، يبدأ من العقيدة ولا ينتهي عندها….

التوحيد في القرآن ليس جملة تُقال، بل رؤيةٌ تُعاد بها صياغةُ الإنسان: عقلا، ووجدانا، وسلوكا، وعلاقة بالعالم.

حين نقرأ قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ﴾

ندرك أن التوحيد لا يكتمل في محرابٍ معزول، بل يختبر صدقه في السوق، وفي القضاء، وفي الأسرة، وفي السياسة….

فالله الواحد الأحد، الذي لا شريك له، لا يقبل أن تُجزَّأ الحياة إلى “دينٍ” في الزاوية و “واقعٍ” مُنفلتٍ من كل معيار.

وقد لخّص المفكر الجزائري مالك بن نبي هذه الحقيقة حين قال:

“المشكلة ليست في نقص الأفكار، بل في قابلية الاستعمار”

فالخلل ليس في النصّ، بل في قابلية النفس للانفصال بين ما تؤمن به وما تعيشه…

وهنا تتجلّى عظمة القرآن: إنه لا يسمح لك أن تعيش هذا الانفصام طويلا؛ إمّا أن ترتقي، أو تشعر بالقلق الأخلاقي الذي يدفعك إلى التصحيح….

التوحيد في جوهره تحريرٌ للإنسان….

من يوقن أن الله وحده هو الرزّاق، لا يُذَلّ لبشر….

ومن يوقن أن الله هو الحكم العدل، لا يبيع ضميره خوفا أو طمعا.

ومن يوقن أن الحياة الدنيا اختبار، لا يجعلها معبودا خفيّا.

لقد أشار محمد الغزالي إلى أن الإيمان الحقّ “ينقل الإنسان من عبودية الشهوة إلى عبودية الله، ومن فوضى النزوات إلى نظام القيم”…

وهذا هو التحوّل القرآني: انتقالٌ من التبعثر إلى المركز، من الاضطراب إلى الاتساق الداخلي.

في واقعنا اليوم، نرى وفرةً في الشعارات، وندرةً في الانسجام…

نرفع راية الدين، ثم نمارس في الخفاء ما يهدمه…

نتغنّى بالعدل، ثم نبرّر الظلم إذا خدم مصالحنا…

هنا تحديدا تظهر الحاجة إلى “التوحيد الحيّ”، لا التوحيد الشفهي.

حين وصف بعض العلماء القرآن بأنه “دستور”، لم يقصدوا به وثيقة قانونية جامدة، بل مرجعية أخلاقية تضبط حركة الإنسان في الزمن….

إنه يُقوّم اعوجاج النفس قبل أن يُقوّم اعوجاج الأنظمة…

انظر إلى المجتمعات التي تفكّكت فيها المعايير:

تقدّمٌ تقنيٌّ هائل، لكن قلقٌ وجوديٌّ عميق…

ثروةٌ متراكمة، لكن خواءٌ روحيٌّ متسع….

حريةٌ بلا ضابط، تتحوّل إلى فوضى….

القرآن “يصوغ الحياة كما يصوغ الضمير”

هو لا يكتفي بإصلاح الفرد في عزلته، بل يُنشئ منظومة من العلاقات:

علاقة الإنسان بربّه، وبنفسه، وبالآخر، وبالكون….

من أعظم ما يميّز القرآن أنه لا يخاطب الإنسان كآلةٍ أخلاقية، بل ككائنٍ يتذوّق الجمال.

فيه آياتُ الطهر التي تُنقّي القلب من الحقد …

وآياتُ الحبّ التي تُعيد تعريف القوة …

وآياتُ الجمال التي تجعل الكون كتابًا مفتوحا …

يقول مصطفى محمود:

“القرآن لا يعطيك إجابةً جاهزة، بل يوقظ فيك السؤال”

وهذا الإيقاظ هو بداية التغيير.

إن الطهر في القرآن ليس رهبانية تنسحب من الحياة، بل نزاهة في التعامل.

والحبّ ليس عاطفة عابرة، بل رحمة منظِّمة للعلاقات.

والجمال ليس ترفا، بل بُعدَا من أبعاد الإيمان؛ إذ إن الله جميلٌ يحب الجمال.

حين يسقط المعنى في الداخل، تتحوّل النصوص إلى طقوس.

نختم القرآن أعواما طويلة، لكننا لا نختم دورة الغضب في نفوسنا…

نحفظ الآيات، ولا نحفظ حدود العدل في خلافاتنا….

نُجادل باسم الدين، وننسى أن الدين في جوهره تهذيبٌ للنفس قبل أن يكون انتصارا عليها.

لو عاد القرآن إلى مركز حياتنا – لا كشعار سياسي، ولا كهوية صراعية – بل كمنهج إصلاحٍ ذاتيٍّ عميق، لتبدّل وجه الواقع….

فالقرآن لا يصنع أجيالا تصرخ، بل أجيالا تبني…

لا يصنع أفرادا متديّنين بالهيئة فقط، بل إنسانا متسقا في سره وعلنه.

عظمة القرآن أنه لا يضعك أمام إلهٍ تعبده فحسب، بل أمام إنسانٍ يجب أن تكونه.

هو كتاب توحيد، نعم؛ لكنه أيضا كتاب تربية، وكتاب حضارة، وكتاب معنى.

منه تبدأ الرحلة:

رحلةُ إعادة تشكيل الذات ..

ورحلةُ تصحيح المسار وتعديل السلوك …

ورحلةُ البحث عن الجمال في عالمٍ يزداد همجية وقسوة.

القرآن لا يعدك بحياة بلا ابتلاء .. لكنه يمنحك بوصلةً لا تضلّ ..

ومعيارا لا يتبدّل .. وفيضا متجدّدا من الطُهر والحب والجمال …

كلما عدتَ إليه عدتَ إلى نفسك أكثر نقاء، وأكثر إنسانية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

رمضان لم يُشرع ليزيد أعباء الناس

رمضان لم يُشرع ليزيد أعباء الناس، ولا ليُحوّل البيوت إلى ساحات سباق في الطعام والضيافة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *