في السنوات الأخيرة، صعدت لغة جديدة تُقدّس الفرد إلى حدِّ التأليه….
لغة تقول لك: “كُن مركز الكون، أنت القيمة العليا، أنت المصدر، أنت المعيار”!
ويُعاد تغليف هذه اللغة بمصطلحات برّاقة: الطاقة، الوعي الكوني، استحقاق الذات، هندسة المشاعر، صناعة الواقع…..
لكن السؤال الجوهري:
هل خُلق الإنسان ليكون محورا؟
أم خُلق ليكون عبدا لربّه؟
الفرق بين التصوّرين ليس لفظيا، بل حضاريّا ..
التصور الفردي الحديث يجعل الإنسان معيار الحق….
أما الهدي الرباني فيجعل الحق معيار الإنسان…..
الفردية حين تتحول إلى فلسفة وجود، لا تعني فقط الاستقلال، بل تعني الانفصال:
-انفصال عن الجماعة ..
-عن المرجعية،
– عن المعنى المتجاوز للذات…
= وهنا تبدأ الأزمة.
النزعة الفردية المعاصرة لا تكتفي بتحرير الإنسان من القيود الظالمة – وهذا حق –
بل تحرره من كل قيد، حتى من قيد العبودية لله.
وحين يُنزَع هذا القيد، لا يصبح الإنسان حرّا، بل يصبح مُعلّقا في فراغ.
ولهذا نرى مفارقة واضحة في المجتمعات التي بلغت ذروة الفردية:
-ارتفاع معدلات الاكتئاب ..
– تفكك الروابط الأسرية ..
– شعور عميق بالوحدة رغم وفرة الخيارات…
لأن الإنسان حين يُقنع أن ذاته هي مصدر سعادته .. فهو يُحمل نفسه ما لا تطيق.
لأن:
-الذات محدودة….
-مُتقلبة
-مريضة أحيانا…
– ضعيفة أمام الشهوة والخوف..
– هشّة أمام احتمالات الخيال …
فكيف تُجعل مصدر الطمأنينة؟!
*الهدي الإسلامي لا يُلغي الفرد، لكنه يضعه في سياقه الصحيح.
الفردية إذا تعني مسؤولية شخصية أمام الله فهي فضيلة.
أما إذا تعني تقديس الذات، فهي بذرة تمرُّد خفي…
ولهذا جاء في الحديث:
“كل بني آدم خطّاء”
فالكمال الفردي وَهم يا قوم .. والمؤمن لا يرى نفسه مكتملة ..
بل يرى تقصيره دافعا لاكتساب مزيد من الطاعة.
الرضا عن النفس في الفكر المعاصر يعني:
“أنا كافٍ بذاتي”
أما في ميزان الإيمان، فالرضا الحق هو:
“أنا راضٍ عن قضاء الله، ساعٍ لإصلاح نفسي.”
فرق كبير بين من يُقدّس ذاته، ومن يُحاسبها…
تأمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله:
“جنتي بستان في صدري”
هذه ليست فردية نفسية، بل حالة إيمانية.
هو لا يقول: جنتي في ذاتي، بل في إيماني.
وقال أيضا :
“إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة… إنها جنة الإيمان”
لاحظوا الفرق الدقيق:
الجنة ليست انبهارا بالذات، بل سكينة نابعة من الارتباط بالله.
الفردية الحديثة تقول: “إسعد بنفسك”
أما القرآن فيقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}.
الحياة الطيبة ليست ثمرة تأمُّل ذاتي مجرد .. بل نتيجة عمل صالح مقرون بإيمان.
ثم إن مقولة “السعادة من الداخل” تحتاج تحريرا….
نعم، السعادة ليست في المال وحده .. ولا في العلاقات وحدها،
لكنها أيضا ليست توليدا ذاتيا محضا.
السعادة رزق….
يُؤتى العبد منه على قدر قُربه.
قد يُمهل الله العاصي فيظن أنه سعيد، لكن الإمهال ليس دليل رضا،
بل قد يكون استدراجا.
قال تعالى:
{سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}.
السعادة الحقيقية لا تُقاس باللذة، بل بالطمأنينة…والطمأنينة لا تُستخرج من الذات،
بل تُسكب فيها سكبا… {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
أما فكرة “الجماعة رحمة”، فليست مُجرّد شعار اجتماعي فقط،
بل نظاما وجوديا كذلك.
الإنسان كائن اجتماعي لا يكتمل منفردا….
العبادات نفسها جماعية: صلاة، جمعة، حج، زكاة.
حتى النجاة في القرآن تأتي بصيغة الجمع:
{وَالْعَصْرِ • إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ • إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا…}.
النجاة مشروع جماعي، لا إنجاز فردي معزول….
الفردية إذا ألغت الجماعة، صنعت أنانية…. والجماعة إذا ألغت الفرد، صنعت استبدادا…
لكن الهدي الرباني يوازن:
-فرد مسؤول = داخل جماعة راحمة = مرجعيته إلى الله.
وأختم بفكرة محورية:
الإنسان حين يُقنع أن ذاته هي المصدر .. ينتهي إلى تضخيمها أو احتقارها.
أما حين يُقنع أن الله هو المصدر، تستقيم علاقته بنفسه.
فلا يتألّه، ولا ينهار.
وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للحياة الطيبة:
ليست اكتمالا نفسيا مغلقا، بل عبودية واعية، وعملا صالحا، وسكينة تُمنح،
لا تُنتزع.
إنها جنة الإيمان، التي لا يصنعها الإنسان لنفسه،
بل يدخلها حين يعرف حجمه…
ويعرف ربّه.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة