الوثنية الناعمة: من تحرير المرأة إلى تأليه النوع

في كل لحظة تاريخية يفقد فيها الإنسان مركزه الصحيح، يبحث عن مركز بديل.

وحين تضعف المرجعية المتجاوزة – أي المرجعية الإلهية – لا يبقى أمام العقل إلا أن يؤلّه شيئا من داخله….

وهكذا وُلدت الوثنيات الجديدة….

لم تعد وثنية حجر، ولا شمس، ولا تمثال.

بل وثنية فكرة….

وفي بعض مسارات الفكر النسوي المعاصر، لم يعد الهدف تصحيح ظلم تاريخي، بل إعادة صياغة الكون حول محور الأنثى، لا بوصفها إنسانة مساوية، بل بوصفها مركزا كونيا جديدا…..

وهنا يبدأ التحوّل الخطير.

النسوية – في أصلها التاريخي – كانت حركة حقوق مدنية، تطالب بالمساواة القانونية، والتعليم، والتمثيل السياسي.

لكن بعض تياراتها المتأخرة، خصوصا في سياق ما بعد الحداثة، انتقلت من المطالبة بالعدالة إلى تفكيك البنية الدينية والرمزية للعالم.

فلم يعد الصراع مع ظلم اجتماعي، بل مع “اللاهوت الذكوري”.

ومن هنا ظهر ما يُعرف بـ “اللاهوت النسوي” في الفكر الغربي المعاصر، وهو تيار يسعى إلى إعادة قراءة الدين، وإعادة تشكيل صورة الإله، بل أحيانا استبدالها، وفق رؤية تتمحور حول الخبرة الأنثوية بوصفها معيارا للحقيقة.

وحين تتحول التجربة الذاتية إلى معيار مطلق، يبدأ العقل في الانغلاق على مرآته.

الخطورة ليست في الدفاع عن المرأة، بل في تحويل المرأة إلى مركز كوني.

هناك فرق بين أن تقول: “المرأة إنسان كامل الكرامة”..

وبين أن تقول:

“الأنثى هي المبدأ، وهي الأصل، وهي مصدر المعنى”!

الأولى عدل….

الثانية انقلاب ميتافيزيقي جذري….

حين تُستبدل المرجعية الإلهية بمرجعية النوع، يتحول الصراع من صراع ظلم إلى صراع وجود.

وهنا تبدأ الوثنية الناعمة….

وثنية لا تنحت تمثالًا .. بل تَنْحتُ خطابًا.

في بعض دوائر “الروحانية النسوية”، يتم استدعاء رموز “الإلهة الأم”، والطاقة الأنثوية الكونية، والوعي الأنثوي الأعلى، في محاولة لإعادة قداسة مفقودة، لكن دون مرجعية توحيدية….

إنه بحث عن المعنى… لكن عبر تضخيم الذات الجمعية للأنثى.

وهنا المفارقة:

حين كان الرجل في بعض العصور يتمركز حول ذاته، كانت النتيجة استبدادا.

وحين تتمركز بعض النسويات اليوم حول “الأنوثة بوصفها جوهرا مقدسا”، فالنتيجة ليست تحريرا، بل استبدال مركز بمركز…

المشكلة ليست في الجنس، بل في فكرة التمركز….

أي فلسفة تضع الإنسان – رجلا كان أو امرأة – في موضع المركز المطلق،

تقع في الشرك المعرفي…..

إن أعظم جناية هذا المسار ليست على الرجل، ولا حتى على المرأة،

بل على العقل…. لأن العقل حين يُستبدل فيه معيار الحقيقة بالهوية،

يتوقف عن البحث.

حين تصبح “التجربة الأنثوية” معيارا نهائيا، فأي نقد يصبح قمعا،

وأي مراجعة تصبح عدوانا… وهنا يغلق الفكر على نفسه.

اللاهوت النسوي، في بعض تجلياته، لا يكتفي بإعادة تفسير النصوص،

بل يعيد تعريف الإله، ويعيد تعريف الخلق، ويعيد تعريف الأسرة،

ويعيد تعريف الطبيعة البشرية….

وإذا كان كل تعريف خاضعًا للهوية، فما الذي يبقى ثابتا؟!

إن التوحيد – في الرؤية الإسلامية – حرّر المرأة والرجل معا، لأنه أخرج الاثنين من مركز التأليه، ووضعهما في مركز العبودية المتساوية…

لا رجل إله.

ولا امرأة إلهة…

بل كلاهما عبد.

وفي العبودية لله وحده تتحقق المساواة العميقة.

**تحويل النسوية إلى روحانية بديلة ليس انتصارا للمرأة، بل إعلان عجز عن قبول مرجعية تتجاوز الذات. وكل فكر لا يحتمل مرجعية أعلى منه، سينتهي إلى تقديس ذاته…. والذات إذا قُدّست، أفسدت.

المرأة ليست بحاجة إلى أن تكون إلهة كي تُحترم….

ولا الرجل بحاجة إلى أن يُسحق كي تتحرر الأنثى….

المشكلة ليست في النوع، بل في الفلسفة التي تجعل الهوية مصدرا للمعنى.

وحين يغيب التوحيد، تعود الوثنية بأسماء جديدة….

قد تُسمى “الطاقة الأنثوية” ..

قد تُسمى “وعي الجسد”….

قد تُسمى “اللاهوت النسوي”…

لكن الجوهر واحد:

البحث عن قداسة بلا خالق….

العقل البشري لم يُخلق ليعبد نفسه، ولا ليؤله نوعه، بل ليعرف حدوده.

وأعظم ما يحرر المرأة والرجل معا، هو أن يكون مركز الكون خارج كليهما.

فإذا كان الله هو المركز، استقام الميزان.

وإذا صار الإنسان هو المركز، اختل كل شيء.

إن المعركة ليست بين رجل وامرأة…. بل بين توحيد وتمركز.

ومن اختار التمركز…

عاد إلى الوثنية، ولو بألف مصطلح حداثي…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

بين الذريعة والحقيقة: لماذا تُستهدف عواصم الخليج من قبل إيران؟

حين تقول إيران إنها تستهدف “قواعد أمريكية” في الخليج لا الدول ذاتها، فهي تبني رواية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *