في منطقةٍ تشتعلُ أطرافها كلَّ صباح، وتُعادُ فيها صياغةُ الخرائط قبل أن يجفَّ حبرُ الخرائط السابقة، يبدو الموقف الأردني كمن يسيرُ على حدِّ السيف:
-لا يملك ترفَ الانحياز الأعمى ..
– ولا يملك رفاهيةَ العزلة الكاملة ..
*الأردن لا يعيش خارج العاصفة، بل في قلبها الجغرافي.
ومن لا يدرك الجغرافيا، لن يفهم السياسة……
حين يُتهم الأردن بأنه “يوازن”، فهذه ليست تهمة، بل تعريف دقيق لدولٍ تعرف حجمها وحدودها ومصالحها…
المعادلة الأردنية ليست بين سيادة وتبعية، كما يحاول بعض الخطاب الدعائي تصويرها، بل بين:
سيادة مصونة … والتزامات دولية قائمة .. وبيئة إقليمية لا ترحم الفراغ.
الدول الصغيرة لا تملك ترف الشعارات، بل تعيش بمنطق الحسابات الدقيقة.
الوجود العسكري الأمريكي في قاعدة “موفق السلطي” لم يولد فجأة مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، بل هو مؤطر قانونيا ضمن “اتفاقية التعاون الدفاعي” الموقعة عام 2021….
وهذه الاتفاقية – بغض النظر عن المواقف السياسية منها – ليست سرا، ولا احتلالا، ولا انقلابا على السيادة، بل إطار قانوني منظم لوجود دفاعي محدد الأهداف.
وهنا سؤال جوهري:
هل السيادة تعني الانغلاق الكامل؟
أم تعني القدرة على اختيار الشراكات وفق مصلحة الدولة؟
*السيادة ليست في غياب العلاقات، بل القدرة على إدارتها.
الترويج لفكرة أن أي وجود عسكري أجنبي هو انتهاك للسيادة يتجاهل حقيقة أن العالم اليوم شبكة تحالفات دفاعية متبادلة….
هل كل دولة تستضيف قوات حليفة فاقدة لسيادتها؟!
أم أن المسألة تتعلق بطبيعة الاتفاق، وحدود الاستخدام، وقرار الدولة النهائي؟
الفرق كبير بين:
قاعدة تُفرض بالقوة…
وقاعدة تُنظم باتفاق وتخضع لقرار الدولة المضيفة…
الأردن – رسميا – أعلن مرارا أن أراضيه لن تكون منطلقا لعمل هجومي ضد إيران….
وهذا إعلان سيادي صريح، لا التواء فيه.
تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وزيادة الطائرات وأنظمة الدفاع في فبراير 2026، جاء في سياق حماية القاعدة نفسها ضمن مناخ إقليمي شديد الهشاشة.
لكن الدعاية المضادة سعت إلى تحويل الأمر إلى سردية:
-“الأردن منصة هجوم”
-“الأردن يحمي تل أبيب”
“الأردن تابع ذليل يقوده الخونة”
= هنا تتداخل السياسة بالإعلام، ويصبح الخطاب أداة ضغط.
السؤال الذي لا يُطرح:
إذا كان الأردن مستهدفا إعلاميا، فهل يُراد له أن يضعف دفاعه الجوي إرضاء لخصوم إقليميين؟
أم أن من حقه أن يعزز قدراته في مواجهة مسيّرات وصواريخ سبق أن اخترقت مجاله الجوي في أكتوبر 2024 ويونيو 2025؟
حين اعترض الأردن تلك الأجسام الطائرة، لم يكن يحمي واشنطن ولا طهران،
كان يحمي سماءه هو .. وسمائي أنا وأنت ..
والسماء أو السقف الذي يحميني ويحميك ليست شعارا، بل أمن مواطنيين مدنيين لا ناقة لهم ولا جمل في أي حرب.
الأردن ليس لاعبا في صراع الهيمنة الإقليمية، بل دولة تحاول ألّا تُسحب إلى معركة ليست معركتها.
ولهذا جاء تصريح الملك عبد الله الثاني في 24 فبراير واضحا:
“الأردن لن يكون ساحة معركة”
هذه ليست عبارة دبلوماسية، بل خط أحمر استراتيجي.
وفي السياسة، أحيانًا يكون أهم إنجاز هو منع الحرب، لا خوضها…
هناك خلط متعمد بين التعاون الدفاعي وبين الاصطفاف المطلق…
الأردن يحتفظ بتحالف وثيق مع واشنطن، نعم…
ويتلقى مساعدات عسكرية واقتصادية تقارب 1.45 مليار دولار سنويا..
ويستفيد آلاف الضباط من برامج التدريب (IMET) …
ويحدث قواته الجوية بطائرات F-16 وقطع الغيار والمروحيات….
لكن السؤال:
هل تحديث الجيش خيانة؟
أم ضرورة في إقليم يفيض بالسلاح غير النظامي وتهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود؟
البديل عن الشراكات الدفاعية ليس السيادة المثالية .. بل العزلة الخطرة.
من يُزايدون على الأردن غالبا يتجاهلون موقعه الجغرافي:
– حدود مع سوريا المشتعلة ..
– قرب من العراق المُسيّرة إيرانيا ..
– تماس مع فلسطين المحتلة ..
– وقلب صراع إيراني–أمريكي–إسرائيلي….
الجغرافيا ليست خيارا… بل هي قدر الشعوب …
والدولة التي لا تحسب حساب موقعها، تدفع ثمنا مضاعفا.
ثم إن الوطنية لا تُقاس بحدة الهجوم على الدولة، كما أن الولاء لا يُقاس بمديحها.
الوطن ليس ساحة تصفيق، ولا ساحة تصفية حسابات.
الوطن مسؤولية….
والمسؤولية تعني أن نُفرّق بين النقد المشروع، وبين حملات التحريض التي تستثمر في توتر إقليمي لتصوير الدولة الأردنية وكأنها فقدت قرارها.
الأردن، بحكم حجمه وإمكاناته، لا يصنع موازين القوى الكبرى،
لكنه يحاول ألّا يُكسر تحتها…
هو يمشي بين الألغام، ويحاول أن يُبقي أرضه خارج الاشتباك.
وهذه ليست تبعية، بل براغماتية دولة تعرف حدود قوتها، وتسعى لتعظيمها لا لتبديدها.
السيادة ليست شعارا يُرفع في المظاهرات، بل قدرة عملية على:
حماية الأجواء
تأمين الحدود
منع تحويل الأرض إلى منصة حرب
وإدارة التحالفات دون أن تُبتلع فيها….
والسياسة – كما قال بعض الحكماء – ليست فن المثالية … بل فن الممكن.
بعيدا عن البذاءة وقلّة الدين .. السؤال الذي يجب أن يُطرح بهدوء:
هل نريد أُردنّا معزولا، ضعيف الدفاع، مكشوف السماء ..
لكنه صاخب الخطاب؟
أم نريد أُردنّا متماسكا، محسوب الخطوات، يوازن بين التحالف والسيادة،
ويُصِرُّ على ألّا يكون ساحة حرب؟
=في منطقة تتبدل فيها التحالفات كل موسم ..
قد تكون أعظم شجاعة هي أن تحافظ على توازن يمنع الانهيار.
وهذا – في ذاته – موقف…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة