حين تصبح الاستقامة معركة يومية

الحقيقة التي لم تتغير منذ خلق الله الإنسان أن كل ما هو نفيس كان ثقيلا على النفس، وكل ما هو عظيم كان صعودا لا هبوطا….

النفس لا تهرب من الشر دائما، بل تهرب غالبا من المشقة….

ولذلك لم يكن الامتحان الحقيقي أن تعرف الحق من الباطل، فهذه أيسر مما نظن، بل الامتحان أن تختار الحق حين يكون أثقل من الباطل.

أن تترك فراشك لصلاة الفجر… ثقيل.

أن تغلق هاتفك وتفتح كتابا …ثقيل.

أن تعود إلى بيتك وفي صدرك غضب، ثم تختار أن تبتسم في وجه زوجتك وأبنائك بدل أن تسكب تعبك عليهم، ثقيل.

أن ترى الحرام أمامك بضغطة زر ثم تقول لنفسك: لا… ثقيل.

أن تعتذر وأنت قادر على المكابرة… ثقيل.

أن تصمت حين تكون قادرا على إيذاء من ظلمك… ثقيل.

بل حتى أن تكون إنسانا مستقيما في زمن معوجّ… ثقيل جدا.

ولهذا لا تستغرب أبدا أن تجد الطريق المزدحم هو الطريق الأسهل، وأن تجد أهل اللهو أكثر من أهل المعنى، وأهل الضجيج أكثر من أهل الرسالة.

فالمشكلة ليست أن البشر صاروا أسوأ من السابقين دائما، بل لأن الإنسان القديم كان يذهب إلى المعصية بخطوات، أما اليوم فالمعصية نفسها تأتي إلى فراشه….

قديما كان المرء يحتاج أن يسافر ويرتحل ويبحث حتى يقع في فتنة، أما اليوم فالفتنة تحمل إشعارا صغيرا وتدخل جيبه دون استئذان.

ولهذا صارت المعركة أكثر تعقيدا …

لم يعد الشيطان يقف عند أبواب الملاهي الليلية والخمّارات فقط، بل يتربّع في الجيب، وفي الشاشة، وفي تفاصيل اليوم كلها.

ولهذا أصبحت أيامنا غريبة حقا…

ليس لأن الخيانة ظهرت، فالخيانة قديمة قدم البشر، لكن لأنها لم تعد تُسمى خيانة؛ بل “بحثا عن الاحتواء”.!!

انظر حولك …

أسماء الأشياء تغيّرت….

فكم من كلمة أُعيد طلاء معناها حتى صارت المعصية فضيلة !

الرشوة أصبحت “هدية”.

والنفاق صار “دبلوماسية”.

والتطفل صار “اهتماما”.

والفراغ صار “صناعة محتوى”.

والانفلات صار “حرية شخصية”….

حتى أصبح الإنسان أحيانا يخجل من الحق أكثر مما يخجل من الباطل….

وكان أخطر ما فعله هذا العصر أنه لم يغيّر الأفعال فقط… بل غيّر القواميس التي نصف بها الأفعال.

ولذلك كان القرآن شديد التحذير من الاغترار بالكثرة:

﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾…..

لأن الكثرة ليست دليل نجاة…

– سيدنا نوح عليه السلام بقي ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو، ثم لم يؤمن معه إلا قليل…

ولم يكن القليل دائما علامة ضعف، بل كان في أحيان كثيرة علامة وعي.

وقد كتب الفيلسوف فريدريك نيتشه عبارة مؤلمة حين قال: “الجنون عند الأفراد نادر، لكنه عند الجماعات قاعدة”.

وكأن التاريخ كله يقول للإنسان: لا تجعل الزحام دليلا.

فالناس يركضون اليوم في كل اتجاه: خلف المال، خلف الإعجابات، خلف الصورة، خلف الوهم الكبير بأن كثرة التصفيق تعني قيمة الإنسان.

ثم يعود كثير منهم آخر الليل بشعور غريب لا يفهمه:

فراغ.

ذلك لأن الروح لا تشبع بما يملأ العين…. ولأن الإنسان لم يُخلق ليكون آلة استهلاك.

ولأنك مهما أخذت من الدنيا دون معنى… ستشعر بالجوع….

ولذلك ليست البطولة أن تعيش مثل الناس….

البطولة أن تنجو منهم أحيانا…

أن تحافظ على قلبك نقيا في زمن يلوّث كل شيء.

أن تبقى إنسانا حي الضمير حين يموت الضمير جماعيا.

أن تكون من أولئك القليل الذين قال الله فيهم: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾.

فالقضية لم تكن يوما: أين يقف الأكثرون؟

بل: أين يقف الحق… ولو وقفت وحدك….

لأن الطرق الهابطة مزدحمة دائما…

أما الطرق التي تصعد نحو السماء، فقلّما يمشي فيها إلا الذين عرفوا أن المعالي ثقيلة… لكن ما عند الله أثقل وزنا وأبقى أثرا..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

بين النقد والتهويل: كيف نناقش الحج بإنصاف؟

ليس من الحكمة أن يتحول النقاش حول الحج إلى خيارين فقط: – إما أن نقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *