كيف نقرأ تصريح نتنياهو حول التحرر من التبعية لأمريكا

أثارت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران انتقادات حادة في بعض الأوساط الإسرائيلية لإدارة ترامب، لما قد يترتب عليها من انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وجاء تصريح نتنياهو حول وجوب التحرر من التبعية لأمريكا في مجال التسليح، ليؤكد عدم الارتياح الإسرائيلي للموقف الأمريكي من إيران، ما اعتبرته بعض الأوساط السياسية والإعلامية أزمة ثقة بين واشنطن وتل أبيب.

ربما يكون محور التباين في موقفي كل من ترامب ونتنياهو إزاء الملف الإيراني، أن الأول يعمل على تعريف نفسه أمام المجتمع الدولي كرجل سلام يعمل على إنهاء الحروب عبر الحوار والتفاهمات، بينما يرى الآخر أن القوة العسكرية أساس في إدارة الصراع وحماية الأمن القومي الإسرائيلي وضمان تفوق إسرائيل في محيطها الإقليمي.

التصريح أشبه بمفارقة سياسية معضلة في استيعابها، فالكيان الذي تلقى على مدى أكثر من سبعين عامًا دعمًا عسكريا وسياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا هائلًا من الولايات المتحدة، يتحدث حاليا عن التحرر من التبعية.

تصريح نتنياهو أعاد إلى الواجهة سؤالًا ليس جديدًا، ويتكرر كلما لاحت بادرة تباين في الآراء بين الإدارتين بشأن تسويات أو حروب أو ملف إقليمي: هل العلاقة بين إسرائيل وأمريكا قائمة على التبعية؟

البعض يرى في إسرائيل ولاية أمريكية متقدمة في منطقة الشرق الأوسط، والبعض يراها كيانًا مستقلًا لا يتردد في تجاوز الولايات المتحدة متى تعارضت مصالحها مع رؤية واشنطن.

الحقيقة أن العلاقة بين الجانبين علاقة فريدة في التاريخ السياسي الحديث، حيث تمتزج المصالح بالهوية، والاستراتيجية بالأيديولوجيا، والنفوذ بالتأثير المتبادل، بما يجعل من الصعب مقارنة هذا النموذج بآخر.

لا خلاف في أن قيام دولة الاحتلال كان نتاج التزاوج بين الصهيونية والإمبريالية العالمية، لزرع هذا الجسم الغريب في المنطقة وتفتيت لحمتها بما يصب في صالح هذه الدول الإمبريالية.

هذا التزاوج أثمر وعد بلفور المشؤوم، أتبعته بريطانيا بعد سنوات قضتها في رعاية المصالح اليهودية في فلسطين بإعلان إنهاء الانتداب، لتترك فلسطين لقمة سائغة للعصابات الصهيونية التي أعلنت قيام دولة إسرائيل بالحديد والدم.

بعدما خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى، انتقلت إليها عهدة رعاية هذا الكيان اللقيط بشكل تدريجي، فبعد أن كانت تتعامل مع هذا الكيان بحذر إدراكًا منها لأهمية النفط العربي لها في الحرب الباردة، تعززت نظرتها منذ حرب 1967 للكيان الإسرائيلي باعتباره موقعًا متقدمًا لها يخدم مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، فكان دعمها العسكري واللوجستي لها في حرب 1973 هو ما غير معادلة الحرب وحال دون تحقيق مكاسب عربية تتناسب مع حجم التضحيات التي قُدمت في تلك الحرب.

تطورت العلاقة حتى أصبحت إسرائيل صاحبة النصيب الأكبر بلا منازع في تلقي الدعم والرعاية الأمريكية، حتى عرفت بأنها طفل أمريكا المدلل.

تتضافر عدة أسباب للرعاية الأمريكية لدولة الاحتلال، فهناك قوة اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي والذي تخطب كل الإدارات الأمريكية ودّه، وكذلك ارتباط المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط بوجود مثل هذا الحليف القوي في المنطقة ودوره في تفتيت وحدة العرب حتى تكون هناك علاقة أحادية بين أمريكا وكل دولة من هذه الدول على حدة، ما يتيح لها استنزافها تحت مظلة الحماية.

كما أن هناك أسبابا أخرى استعرضها المفكر ناعوم تشومسكي، أبرزها أن الحزب الجمهوري الحزب الأقوى في أمريكا الذي يدعم الاحتلال بقوة، يقوم على قاعدة شعبية يمثل الإنجيليون أكبر مكوناتها، وهؤلاء داعمون متحمسون للسياسات الإسرائيلية، وأصحاب مبادئ تدبيرية وأبعاد دينية نبوءاتية، يؤمنون بالعهد القديم والجديد معًا، وينتظرون المسيح المخلص الذي لن يظهر وفق معتقدهم إلا بعد قيام دولة إسرائيل وبناء الهيكل على أنقاض الأقصى، ويؤمنون وفقا لتشومسكي بأن 160 ألفا من اليهود سوف يؤمنون بالمسيح، وهو ما يفسر دعمهم لإسرائيل.

وإذا كانت هذه الأسباب هي ما يفسر ارتباط الولايات المتحدة بدولة الاحتلال، فإن إسرائيل بدورها تستثمر هذا الارتباط جيدًا في الاعتماد على الولايات المتحدة في ضمان وحماية أمنها القومي وضمان تفوقها على محيطها الإقليمي، عن طريق التدفق المستمر للمساعدات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجيا المتطورة، والدعم الاستخباراتي والأمني، والغطاء السياسي في المحافل الدولية واستخدام حق الفيتو ضد أي قرار يصدر ضد دولة الاحتلال في مجلس الأمن.

لذا يمكن القول أن العلاقة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تتجاوز كل اختلاف في الرؤى والمواقف السياسية، ويصعب القول بإمكانية فك الارتباط بين الجانبين، مهما ظهرت خلافاتهما للعلن، بل هناك من يشكك بالأصل فيما يظهر من تباين في المواقف ويفسرها على أنها تبادل للأدوار بين الحليفين.

من هنا يمكن فهم تصريحات نتنياهو عن التحرر من الاعتمادية على التسليح الأمريكي بأنها ليست دعوة أو بداية لفك الارتباط، لأن الطرفين لا يمكن أن ينفصل أحدهما عن الآخر.

ربما يكون التصريح رسالة من نتنياهو إلى الداخل الإسرائيلي لتعزيز مكانته السياسية، وإبراز نفسه على أنه حامي حمى الأمن القومي الإسرائيلي، وأنه لن يسمح بأن يبقى أمن إسرائيل القومي رهينًا بقرار وسياسات أي جهة أخرى ولو كانت واشنطن.

وربما كان التصريح استثارة للوبي الصهيوني والقاعدة الإنجيلية في الولايات المتحدة للضغط على الإدارة الأمريكية باتجاه مزيد من العمل على تحقيق المصالح الإسرائيلية في ملف إيران.

وقد يكون هذا التصريح معبرًا عن أصوات في الداخل الإسرائيلي تطالب بتوسيع قاعدة التصنيع العسكري المحلي وزيادة الاستثمار في الصناعات الدفاعية وتقليل الاعتماد على المورد الأمريكي، وتنويع مصادر السلاح حتى تتحرر دولة الاحتلال من أية قيود عسكرية في وقت الأزمات.

من ثم لا يظهر أن تصريح نتنياهو يتضمن توجهات جديدة بفك الارتباط مع الولايات المتحدة، ولا يظهر على المدى المنظور أية إشارات لفك هذا الارتباط.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الدين والعلمانية.. أيهما يشكل الهوية الإسرائيلية؟

مع تنامي مظاهر الصبغة الدينية لدولة الاحتلال الإسرائيلي يتكرر السؤال ذاته عن طبيعة هوية الدولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *