الإسلام أكبر من الجماعات والأحزاب

تصوروا أن الإسلام الذي كان أكبر من المهاجرين والأنصار أنفسهم، وأبقى منهم جميعًا، يُختزل اليوم في حزب، أو جماعة، أو تيار، أو تنظيم.

الإسلام الذي حمله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وسعد وابن مسعود، لم يكن مِلكًا لأحد منهم، ولم يتوقف وجوده على أحد منهم….

– ماتوا جميعًا ( رضي الله عنهم ) وبقي الإسلام…

– اختلفوا في بعض الاجتهادات وبقي الإسلام….

– وتفرقت بهم الأمصار وبقي الإسلام….

أما نحن، فقد وصل بنا الحال أحيانا إلى أن يصبح بعض الناس قادرا على تصور زوال الإسلام إذا ضعفت جماعته، أو انكسر حزبه، أو تراجع تياره، أو غاب رمزه.

أي تيهٍ نعيشه؟

إن من أعظم دروس الهجرة النبوية أن العقيدة كانت أكبر من الأرض التي نشأ عليها المسلمون، وأكبر من البيوت التي ولدوا فيها، وأكبر من القبائل التي احتموا بها، وأكبر من الأموال التي جمعوها، بل وأكبر من النفوس نفسها.

– خرج المهاجرون من مكة ولم يخرجوا طلبًا لسلطة، ولا سعيًا إلى حكم، ولا طمعًا في أرض جديدة، بل خرجوا حفاظًا على دينهم.

– تركوا الوطن ولم يتركوا العقيدة..

– تركوا الديار ولم يتركوا المبادئ….

– تركوا الأموال ولم يتركوا الرسالة.

وكان يمكن لبعضهم أن يبقى في مكة لو قبل التنازل عن شيء من دينه، لكنه أدرك أن الإنسان إذا خسر عقيدته فلن تنفعه أرض ولا تجارة ولا نسب.

ولهذا كانت الهجرة إعلانا خالدا أن الدين ليس مشروعًا للسيطرة على الناس، بل مشروعا لهداية الناس.

ولم يكن النبي ﷺ يحمل معولا لهدم المدن، بل كان يحمل نورا لبناء الإنسان.

ولم يبدأ دعوته بحرق الأسواق ولا بإشعال الحروب الأهلية ولا بتمزيق المجتمعات، بل بدأ ببناء العقيدة في القلوب ثلاثة عشر عاما كاملة قبل أن تقوم الدولة.

فالدولة في الإسلام ثمرة، وليست بذرة.

ونتيجة، وليست نقطة البداية…

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بصدق هو:

هل السعي إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة في بلاد المُسلمين وإحراق المؤسسات القائمة وتمزيق المجتمعات وإدخال الشعوب في دوامات الدم والخراب هو جوهر الدين فعلًا؟!

أم أن هذا الخلط نشأ حين تحولت بعض الحركات من خدمة الدين إلى توظيف الدين لخدمة مشاريعها السياسية؟

لقد كان الإسلام موجودا قبل كل الجماعات، وسيبقى بعد كل الجماعات….

وكانت الأمة موجودة قبل كل الأحزاب، وستبقى بعد كل الأحزاب….

أما الأوطان، فإذا احترقت، والأمن إذا ضاع، والدماء إذا سالت، فإن الذين يدفعون الثمن ليسوا قادة الصراعات غالبا، بل عامة الناس الذين أرادوا فقط أن يعيشوا في أمن ويعبدوا الله في سلام….

ولهذا قال الفقيه والمؤرخ “ابن تيمية” رحمه الله كلاما بالغ العمق حين قرر أن:

“ستون سنة من إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا سلطان.”

ولم يكن يقصد تمجيد الظُلم، بل كان يقرر حقيقة مؤلمة عرفتها الأمم عبر التاريخ:

أن الفوضى حين تستيقظ لا تسأل عن الصالح والطالح، بل تلتهم الجميع…

إن الهجرة تعلمنا :

– أن العقيدة أغلى من الوطن، نعم….

لكنها لا تعلمنا أن نحرق الأوطان….

– وتعلمنا أن الحق أغلى من المصالح، نعم…

لكنها لا تعلمنا أن نهدم المجتمعات…

– وتعلمنا أن المؤمن قد يضحي بماله ونفسه في سبيل الله، نعم.

لكنها لا تعلمه أن يضحي بالشعوب كلها في سبيل اجتهاد سياسي أو مشروع حزبي أو حلم أيديولوجي….

فالفرق كبير بين من يهاجر بدينه حفاظا على الحق، وبين من يدفع أمة كاملة للهجرة والخراب باسم الحق.

وهنا يكمن أحد أعظم دروس الهجرة النبوية التي ما زلنا بحاجة إلى فهمها من جديد.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

المنهج الإسلامي وتقديم الحلول العملية للمشكلات

بعض الدعاة والوعاظ يسيئون للإسلام من حيث لا يدرون، ومن صور هذه الإساءة الاقتصار خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *