يقرأ أحدهم حديثا…ثم يغلق المصحف…
ويترك مئات الأحاديث الأخرى…
ويظن أنه أصبح يتكلم باسم الشريعة.
فتتحول النصوص الجزئية إلى أحكام كلية…
وتتحول الاستثناءات إلى قواعد عامة…
ويتحول الدين إلى مجموعة من النصوص المقتطعة من سياقها.
*الشريعة لا تُفهم بهذه الطريقة… فالقرآن لم ينزل آيةً واحدة.
والسنة لم تُبنَ على حديث واحد.
بل إن الله أنزل كتابا كاملا، وبعث رسولا عاش ثلاثة وعشرين عاما يبين، ويخصص، ويقيد، ويفصل، ويطبق.
ولهذا قال الأصوليون:
“إعمال النصوص أولى من إهمال بعضها.”
فالعالِم لا يسأل: ماذا قال هذا الحديث؟
بل يسأل أولا: ماذا قالت الشريعة كلها في هذا الباب؟
===
ولو كان الحديث الواحد يكفي، لما احتاج الصحابة إلى سؤال بعضهم بعضا.
ولما جمع الإمام البخاري -عليه رحمة الله- آلاف الأحاديث.
ولما كتب الشافعي “الرسالة”، ولا الشاطبي “الموافقات”، ولا ابن القيم “إعلام الموقعين”.
كل هذا التراث العظيم قام على أصل واحد:
أن النص يُفهم مع النص، لا بعيدا عنه.
ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول:
“إن القرآن يفسر بعضه بعضًا.”
وكذلك السُنة… فالحديث يفسر الحديث.
والسُنة تُبين السُنة.
ولا يجوز أن نقتطع حديثا ثم نبني عليه تصورا كاملا، وكأن بقية السُنة لم تُخلق.
ثم يأتي الأصل الأعظم…
أن القرآن هو الإطار الكلي الذي جاءت السنة لبيانه، لا لمناقضته.
قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
ولم يقل: لتخالفه… ولا: لتنسفه… ولا: لتؤسس دينا آخر.!
فوظيفة السنة البيان، والتفصيل، والتقييد، والتخصيص، والتطبيق.
ولهذا كان الإمام الشافعي -رحمه الله – يقول في معنى مشهور عنه:
“كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من كتاب الله.”
أي أن السنة لا تعمل خارج الوحي، بل في نطاقه.
ولهذا كان العلماء إذا وجدوا حديثا يبدو لأول وهلة مخالفا لظاهر آية، لم يسارعوا إلى رد الحديث، ولا إلى تعطيل الآية.
بل بدأوا رحلة العلم: هل الحديث صحيح؟
هل له سبب ورود؟
هل هو عام أم خاص؟
هل هو مطلق أم مقيد؟
هل هو منسوخ أم ناسخ؟
هل توجد أحاديث أخرى في الباب؟
هل أجمع العلماء على فهم معين؟
لأنهم يعلمون أن التعارض الحقيقي لا يكون بين القرآن والسنة الصحيحة، وإنما بين فهمين بشريين للنصوص.
* الطبيب لا يشخص المرض بتحليل واحد.
والقاضي لا يحكم بشهادة شاهد واحد إذا احتاج الأمر إلى مزيد من البينات.
والمهندس لا يبني جسرا بعد قراءة صفحة واحدة من المخطط.
فكيف يرضى بعض الناس أن يبني دينا كاملا على حديث واحد؟
ولهذا قال الإمام أحمد عليه رحمة الله :
“الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه.”
فكيف إذا لم تجمع بقية الأحاديث أصلا؟!
كم من إنسان استدل بحديث صحيح…
ثم أخطأ في الحكم.
ليس لأن الحديث خطأ…
بل لأنه اقتطعه من بقية النصوص.
فالحديث قد يكون عامًّا، وتخصصه أحاديث أخرى.
وقد يكون مطلقا، وتقيده نصوص أخرى.
وقد يكون في واقعة معينة، فيُظن أنه حكم لكل زمان ومكان.
وهنا تظهر قيمة الفقه…
لا مجرد الحفظ.
* أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس قلة النصوص…
بل كثرة من يقرأ النصوص بلا منهج.
يحفظ حديثا… فيظن نفسه مُفتيا.
ويقرأ أثرًا… فيظن نفسه مُجددًا.
ويقتطع نصًا…فيظن أنه أحاط بالشريعة.
لقد أراد الله لهذا الدين أن يكون بناء متكاملا.
كل آية فيه تضيء أختها… وكل حديث يفسر غيره.
والقرآن والسنة وحيان من عند الله، لا يتناقضان، وإنما يحتاجان إلى علم يجمع، وفقه يوازن، وعقل يعرف مراتب الأدلة ومقاصدها.
ولهذا فإن العالِم الرباني لا يسأل:
ما دليلك؟
فقط…
بل يسأل:
ما مجموع الأدلة؟
ولا يسأل:
ماذا قال هذا الحديث؟
بل يسأل:
كيف فهمه الصحابة الكرام ؟ وكيف جمع العلماء بينه وبين بقية النصوص؟
لأن الشريعة ليست كلمة منفردة، بل بناءٌ محكم؛ ومن نظر إلى حجرٍ واحد، ثم زعم أنه أدرك حقيقة البناء كله، فقد ظلم البناء، لا الحجر…
ولهذا كانت أعظم آفة تصيب الفقه أن يُقتطع النص من سياقه، أو يُفصل الحديث عن بقية السنة، أو تُقرأ السنة بعيدا عن القرآن.
فليس الدين آيةً تُرفع في وجه حديث، ولا حديثًا يُرفع في وجه آية.
بل هو وحيٌ واحد، يُصدق بعضه بعضًا، ويُبين بعضه بعضًا، ولا يتعارض إلا في الأفهام القاصرة، لا في كلام الله ورسوله..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة