ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا كثيرًا ما تنصرف أذهاننا لدى الحديث عن الاحترام أنه يُمنح من الصغير إلى الكبير.
إظهار الاحترام للآخرين سمة عامة للعقلاء وذوي الفضائل، فالحاجة إلى التقدير والاحترام تقع ضمن المستويات الخمسة للاحتياجات النفسية التي تشكل دوافع السلوك البشري، فما من إنسان مهما كان عمره أو جنسه أو موقعه إلا ويحتاج لأن يحظى باحترام الآخرين وتقديرهم.
كثيرًا ما يتم التعامل مع الطفل بعيدًا عن هذه الدائرة، وقد يتم إهدار شخصيته بدعوى التربية والتوجيه والتعويل على ضعف إدراكه في مرحلة الطفولة.
إن الطفل أرض شديدة الخصوبة، كل ما يغرس فيه ينمو فيه بسرعة ورسوخ، وذاكرته البكر لا تسقط المواقف التي يتعرض لها في الصغر، وربما بلغ الإنسان من الكبر عتيًا ولا تزال آثار التربية الخاطئة التي تعرض لها في الصغر محفورة في وجدانه، تضغط عليه بأثر رجعي.
إظهار الاحترام للطفل ضرورة تربوية، فهي تغرس في وجدانه أن الاحترام صورة نمطية عامة لما ينبغي أن يكون عليه الناس في تعاملاتهم، ومن ثم تصبح هذه القيمة لازمة له في شتى مراحل عمره.
كما أن احترام الطفل يمنحه الثقة بالنفس التي تفجر فيه سمات الإقدام والإيجابية والإبداع، خلافًا للطفل الذي تُهدر كرامته وحقوقه تحت مظلة التربية، والذي يتقوقع في مشاعر سلبية لا حصر لها جراء هذا النمط التربوي العقيم.
الطفل يحتاج إلى كلمة شكر عندما يلبي لك طلبًا، يحتاج إلى أن تحترم خصوصياته وممتلكاته الخاصة لا أن تعبث بها لأنك اشتريتها له بمالك، يحتاج إلى استيعاب عقليته الغضة لا أن تسكته بإشارة غاضبة قائلا: أنت ما زلت صغيرا غدا تفهم.
يحتاج الطفل إلى أن يتكلم ويُسمع له لا أن يُسخر من لغوه، يحتاج إلى أن يجد نفسه بين الكبار لا أن يُطرد من حضرتهم لأنه صغير.
يحدث في بعض مساجدنا أن يحرص الطفل على الوقوف في الصفوف الأولى للمصلين وسط الكبار، ربما تقليدًا لغيره من المواظبين على الصف الأول أو لإدراكه فضيلة الصلاة في الصفوف الأولى، لكنه يُصدم بمن يشير إليه للوقوف في آخر صفوف المسجد، فيتقهقر خجلًا، مع أن الصبي الذي يميز إذا سبق إلى الصف الأول لم يجز إخراجه كما قال الفقهاء ومنهم ابن حجر الهيثمي رحمه الله إذ يقول: “الصبيان متى سبقوا البالغين إلى الصف الأول لم يجز لهم إخراجهم”، وذلك لأن من سبق إلى شيء فهو أحق به.
بعيدًا عن التكييف الفقهي، فإن هذا الصنيع يشعر الطفل بعدم الاحترام والتقدير، وأن ذنبه في الحياة أنه لا يزال طفلًا.
قدوتنا وإمامنا والمربي الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب لنا من خلال سيرته العملية نموذجًا تربويًا فريدًا في احترام وتقدير الصغار.
في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: «يا غلام أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟» فقال: ما كنت لأوثر بفضل منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه.
ها هنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرين يعبران عن حرصه الجم على احترام الصغير في العملية التربوية والتنشئة الصحيحة.
ففي البداية، استأذن الصبي في أن يعطي الكبار قبله، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوزه وأعطى الكبار قبله بما جرت عليه عادة الناس وبلا استئذان، فلا أخالُ أن الأمر سيكون لافتًا لذي بال، لكنه كان في هذا المقام يغرس في نفس الطفل غرسًا وعينه على مستقبل هذا الطفل وآفاقه الممتدة، فاحترم ما يراه الطفل حقًا له، واستأذن منه على جلال قدره ومقامه لأن يسقي الأشياخ قبله.
ثم استمع بصدر رحب إلى اعتراض الصبي ومسوغات رفضه بلا ضجر، ثم في النهاية استجاب لتشبث الصبي بحقه واحترم رأيه وأعطاه القدح.
بمثل هذه التربية النموذجية الفريدة صنع النبي صلى الله عليه وسلم رجالًا أفذاذًا، وشخصيات ينحني لها التاريخ إجلالًا، ولم يكن غريبًا أن يقود أسامة بن زيد وهو في السابعة عشرة، جيشًا فيه كبار الصحابة، وكل ذلك ناشئ عن التربية الصحيحة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة