أصعب ما في الطلاق بعد عشرين أو ثلاثين سنة… ليس أن تفقد زوجًا أو زوجة…
بل أن تفقد النسخة التي كنتها طوال تلك السنوات….
فالإنسان لا يعيش مع شريك حياته فقط… بل يعيش مع عاداته، وروتينه، ولغته اليومية، وطريقته في التفكير، وحتى مع الصورة التي رسمها لنفسه داخل تلك العلاقة…..
ولهذا فإن من يخرج من زواج طويل لا يخرج من بيت فقط…
بل يخرج من عالم كامل….
هناك من يظن أن نهاية الزواج تعني أن عليك أن تبحث مباشرة عن بداية جديدة.
لكن الحياة ليست كتابا …
لا تستطيع أن تطوي صفحة ثم تبدأ الصفحة التالية وكأن شيئا لم يكن.
بعض الصفحات تحتاج أن تُقرأ مرة أخيرة… لا لتبكي عليها…
بل لتفهمها،،،، فالذي لا يفهم لماذا انهار الجسر الأول…
قد يبني الثاني بالأعمدة نفسها….
يقول ابن القيم عليه رحمة الله:
“العاقل من كانت بصيرته بعواقب الأمور كعينه في حاضرها”
وأحسب أن من أعظم العواقب التي يغفل عنها الناس…
أن الإنسان المجروح لا يختار بعقله كله…
بل يختار أحيانا من موضع ألمه…..
فالذي خرج من الخيانة يبحث عن الأمان أكثر مما يبحث عن الحب.
والذي خرج من الإهمال يبحث عن الاهتمام أكثر مما يبحث عن التوافق.
والذي خرج من الوحدة يبحث عن أي رفقة، ولو لم تكن صالحة….
وهنا تبدأ الأخطاء…..
= أخطر قرار قد يتخذه الإنسان بعد الانفصال… ليس قرار الطلاق….
بل قرار الزواج التالي… لأن الأول أنهى حياة…
أما الثاني فقد يبني بقية العمر… أو يهدم ما بقي منه.
ومن أعجب ما في النفس البشرية أنها تخاف من الوحدة أكثر مما تخاف من سوء الاختيار.
مع أن الوحدة ألم مؤقت…
أما الزواج الخطأ فقد يصبح عمرا كاملا من الألم….
ولهذا قال بعض الحكماء:
“ليس كل فراغ يجب أن يُملأ، فبعض الفراغات تحتاج أن تُشفى أولا”
ولذلك لم يجعل الإسلام الزواج مجرد استجابة للعاطفة…
بل جعله بُعد نظر…. استخارة…. ومشاورة… وسؤالًا عن الدين والخلق.
قال رسول الله ﷺ:
“فاظفر بذات الدين تربت يداك”.
وقال في شأن الخاطب:
“إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”…
فتأمل…
لم يقل: أكثرهم جمالا…..ولا أغناهم…. ولا أكثرهم إثارة للمشاعر.
بل الدين…ثم الخلق…. لأن المشاعر قد تكون بداية حياة جميلة واعدة…
لكن الأخلاق هي التي تحفظها….
والنضج الحقيقي لا يظهر عندما تقع في الحب…
بل عندما تستطيع أن تؤجل قرار الزواج حتى يهدأ قلبك….
فليس كل من أحب صار مستعدّا للزواج… وليس كل من تألم صار مستعدا لبداية جديدة….
إن بعض الناس يحتاجون إلى التعافي… لا إلى التحضير للعرس أو التجوُّل في بيوت الأصدقاء والمعارف بحثا عن عروس..
في علم النفس يتحدث المختصون عن أن الإنسان بعد الفقد الكبير قد يحاول أن يعوض بسرعة، لا لأنه وجد الشخص المناسب، بل لأنه يريد إسكات الألم. ..
وهذه الرغبة مفهومة إنسانيا، لكنها قد تجعل الإنسان يختار من يحتاج إليه في لحظة ضعفه، لا من يناسبه في بقية عمره.
ولذلك فإن الوقت ليس عدوا دائما…
أحيانا…يكون طبيبا…
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
“لا يحملنكم حب امرئ ولا بغضه على ألا تعدلوا”
وهذا المعنى لا ينطبق على القضاء فقط…
بل على الحياة كلها…..
فلا تجعل حبك القديم يمنعك من الثقة بالناس….
ولا تجعل جرحك القديم يجبرك على قبول أول من يطرق بابك….
ولا تجعل خوفك من الوحدة يحملك على ظلم نفسك أو ظلم إنسان آخر…
أعرف رجالا ونساء تزوجوا بعد أشهر قليلة من طلاق دام سنوات طويلة تجاوزت العشرين .. ثم اكتشفوا أنهم لم يتزوجوا الشخص الجديد…
بل تزوجوا خوفهم…..
وكانوا يقارنون، ويحاسبون، ويغضبون، ويعتذرون، وكأن الشريك الجديد مسؤول عن أخطاء الماضي……
وأعرف آخرين انتظروا حتى تصالحوا مع أنفسهم…
فدخلوا الزواج الثاني بقلوب أقل اندفاعا…
وعقول أكثر حكمة…
فكان زواجهم أكثر استقرارا من الأول…. ليس لأنهم وجدوا إنسانا كاملا…
بل لأنهم دخلوا وهم أكثر اكتمالا…..
ولهذا فإن أجمل ما يفعله الإنسان بعد نهاية علاقة طويلة…
ليس أن يبحث عن زوجة أو زوج….بل أن يبحث عن نفسه.
أن يسأل:
من أصبحت بعد كل هذه السنوات؟
ما الذي تعلمته؟
ما الأخطاء التي لن أكررها؟
ما الصفات التي لا أستطيع التنازل عنها؟
وما الصفات التي كنت أظنها مهمة، ثم اكتشفت أنها لا تصنع بيتا؟
ليس عيبًا أن تبقى وحدك عاما… ولا عامين…
إذا كان ثمن التسرّع أن تبقى تعيسا عشرين سنة أخرى.
فالوحدة ليست فشلا…. أما الاختيار الخطأ مرة ثانية وثالثة…
قد يكون بداية سلسلة طويلة من المظالم، لك ولغيرك.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ولم يقل: شهوة…. ولا قال: انبهارا. ولا قال: خوفا من الوحدة.
لأن البيوت التي تبنى على الهروب من الألم… قد تسقط عند أول اختبار.
أما البيوت التي تبنى على المودة، والرحمة، والوعي، وحسن الاختيار…
فلديها فرصة أكبر للبقاء.
وأخيرا…
إذا خرجت من زواج دام ربع قرن…
فلا تعتبر نفسك باحثا عن بداية جديدة.
بل اعتبر نفسك طالب حكمة….
فقد دفعت من عمرك ثمنا باهظا لتتعلم….
فلا تُبدد هذا الثمن بالاندفاع….
ولا تجعل ألم الأمس يختار شريك الغد….
إن أعظم انتصار لك بعد الانكسار ليس أن تجد شريكا جديدا بسرعة… بل أن تصبح إنسانا لا يُكرر المأساة مرتين…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة