كيف استفادت إيران من القضية الفلسطينية

تعد علاقة إيران بالقضية الفلسطينية من أكثر المسائل إثارة للجدل في المحيط العربي والإقليمي، ويدور الخلاف دائما حول مدى استفادة القضية الفلسطينية من إيران، مع أن هناك مسألة أخرى جديرة بالتناول: كيف استفادت إيران من القضية الفلسطينية.

الموقف الإيراني في عهد الشاه كان شكليًا ورمزيًا، فعلى الرغم من تبني الشاه موقفًا رسميًا منحازًا للعرب في الصراع مع الكيان الإسرائيلي، إلا أنه لم يتجاوز الرمزية إلى الدعم المباشر.

عندما اندلعت الثورة الإيرانية الخمينية عام 1979، كانت المنطقة العربية تعيش تحولات عميقة ذُيِّلت بتوقيع معاهدة السلام مع الكيان الإسرائيلي، وتراجع الخطاب القومي العربي، وتزايدت الانقسامات بين الدول العربية.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي، وجدت إيران الخمينية في القضية الفلسطينية فرصة نادرة لطرح نفسها باعتبارها النموذج الثوري الذي يحقق تطلعات الشعوب المظلومة، والقوة المناهضة للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الراعي الرسمي للكيان، مستفيدة من المكانة الجوهرية التي تحتلها فلسطين في الوجدان العربي الإسلامي.

منذ ذلك الحين، أصبح الحديث عن القدس وفلسطين جزءًا ثابتًا من الخطاب الإيراني، وعلى الرغم من تقديم إيران دعمًا عسكريًا ولوجستيًا للمقاومة الفلسطينية، إلا أن أن هذا الدعم كان يقدم وفق حسابات القوة والمصلحة والنفوذ لا الاعتبارات الأخلاقية القيمية أو الإنسانية أو الهوياتية.

سياق العلاقة بين إيران والمقاومة الفلسطينية قد شهد بعض مواطن التوتر عندما تعارضت المواقف السياسية للمقاومة مع المصالح الإيرانية، فبعد اندلاع الثورة السورية رفضت حماس تأييد نظام بشار الأسد، ما أدى إلى تراجع في علاقتها بإيران الحليف الأقوى للنظام السوري، وتعرضت المقاومة لنيران الإعلام الإيراني.

استثمرت إيران خلال العقود الأربعة الماضية القضية الفلسطينية لتوسيع نفوذها وترسيخ مشروعها الإقليمي وإعادة صياغة موقعها في معادلات الشرق الأوسط.

استفادت من خلال سرديتها تجاه القضية الفلسطينية في تجاوز الحواجز المذهبية والقومية، وبناء صورة ذهنية إيجابية لدى الجماهير العربية والإسلامية عن إيران، وتبييض وجهها أمام جماهير السُّنة، وإبراز نفسها كقوة تعمل من أجل قضايا الأمة لا المذهب الشيعي أو القومية الفارسية.

كما أفادها ذلك الخطاب الشعبوي في تحريك الشارع العربي واستقطابه بهدف التهيئة للقبول بالنفوذ الإيراني في العالم العربي تحت شعارات مقاومة العدو الصهيوني، إضافة إلى زعزعة الأنظمة العربية القائمة وضرب العلاقات بين هذه الأنظمة وشعوبها.

شعارات دعم القضية الفلسطينية كانت ستائر الدخان التي تغطي على العبث الإيراني في المنطقة العربية وحلقات النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن عن طريق وكلائها وأذرعها، ولو كانت القضية تحتل هذه الأهمية المعلنة لدى الجمهورية الإيرانية، لما تعاونت مع الولايات المتحدة في احتلال العراق البوابة الشرقية لفلسطين، فالتفريط فيها يعني التفريط في فلسطين لأن المستفيد الأول من احتلال أمريكا للعراق هو الكيان الإسرائيلي.

على الرغم من أن المقاومة الفلسطينية ذات التزام استراتيجي بعدم القتال خارج فلسطين، إلا أن إيران قد أدمجت نظريًا المقاومة الفلسطينية في محور المقاومة مع حزب الله اللبناني والحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق وغيرها من الفصائل الموالية لنظام الملالي في إيران، واستفادت من تصريحات المقاومة الفلسطينية المؤيدة لها على مبدأ رد الجميل.

هذا الدمج من قبل إيران بصرف النظر عن موضعه من الواقع، دعم فكرة محورية ومركزية القضية لدى إيران في الذهنية العربية والإسلامية.

ولا شك أن إيران قد استفادت من القضية الفلسطينية في الخروج من العزلة الجغرافية، لتصبح لاعبًا لا يمكن تخطيه في معظم أزمات الشرق الأوسط، ولم تعد مناقشة الأمن الإقليمي أو مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي أو استقرار المنطقة تتم دون النظر إلى الوزن الإيراني.

وفي الداخل الإيراني، كانت فلسطين تمثل التجسيد العملي لخطاب مواجهة الاستكبار العالمي، ولذلك كلما اشتدت العقوبات والأزمات الاقتصادية أو تصاعدت الاحتجاجات الداخلية، يعود الإعلامي الرسمي الإيراني للتأكيد على أن ما يحدث ثمن طبيعي لتمسك إيران بدعم القضية الفلسطينية ومواجهة قوى الاستكبار.

ومن زاوية أخرى، استفادت إيران من القضية الفلسطينية في علاقتها التنافسية بالكيان الإسرائيلي في المنطقة حيث أن لكل منهما مشروعه الإقليمي التوسعي، وذلك من خلال المقاومة الفلسطينية وخوضها الصراع مع الكيان الإسرائيلي، فوجود الجبهة الفلسطينية مفتوحة يمثل أحد أوراق إيران في تعديل موازين القوى في المنطقة، والحد من الهيمنة الإسرائيلية فيها.

والحقيقة أن السياسة الإيرانية نجحت، خلال أكثر من أربعة عقود، في تحويل شعار دعم فلسطين إلى عنصر دائم في معادلة القوة الإقليمية، وفي كل مرة يندلع الصراع بين المقاومة وجيش الاحتلال تنشط الدعاية الإيرانية في شعارات محور المقاومة ووحدة الساحات، وإظهار نفسها وكأن لها دورًا محوريًا في الأحداث.

وفي النهاية، تختزل العلاقة بين إيران والقضية الفلسطينية في بعض الدعم المقدم إلى المقاومة في غزة، دون أن يكون هناك جهود في تحسين الأحوال الاقتصادية والمعيشية في الأراضي الفلسطينية، أو محاولة احتواء انقسام القوى الفلسطينية، ولم تطلق إيران صاروخًا واحدًا على الكيان الإسرائيلي إلا ردًا على الاستهداف الإسرائيلي لأراضيها، ولم تدرج إيران القضية الفلسطينية في سياق المفاوضات الأخيرة مع الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من إدراجها حزب الله اللبناني في التسويات.

قطعًا لا أحمل إيران المسؤولية الكاملة عن ضعف الموقف الفلسطيني، ولكن الحديث هنا جاء لتوضيح علاقة إيران بفلسطين، وأنها استفادت من القضية الفلسطينية أكثر بكثير مما أفادتها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

احترموا صغاركم

ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا كثيرًا ما تنصرف أذهاننا لدى الحديث عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *