ليست كل معركة تستحق أن تُخاض…. وليست كل مسألة تستحق أن تتحول إلى قضية رأي عام…..
وليست كل كلمة مختلف فيها تستحق أن تستهلك أعمار الناس، بينما القضايا الكبرى تحترق في الخلفية….
إن من أخطر ما يصيب الفكر، وأشد ما يستهلك طاقات الأمم، أن يتحول الهامش إلى متن، والفرع إلى أصل، والوسيلة إلى غاية، والجزئي إلى قضية الأمة الأولى.
وهذه ليست مشكلة عامة الناس فقط…
بل قد يقع فيها بعض المصلحين والدعاة والكُتّاب، حين يجعلون الناس يستيقظون كل صباح على معركة جديدة حول جزئية، بينما تتراكم في الأمة أزمات العلم، والعدل، والأخلاق، والاقتصاد، والأسرة، والوعي، دون أن تجد من يمنحها القدر نفسه من الاهتمام.
لقد جاء الإسلام ليبني الإنسان، ثم الأسرة، ثم المجتمع، ثم الحضارة….
ولم يأت ليجعل الأمة تدور في حلقة لا تنتهي من الجدل حول المسائل التي وسع فيها الخلاف، أو لتختزل الدين في باب واحد.
ولذلك لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن، لم يبدأ معه بالخلافات الفرعية، بل قال:
«إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله…»
فبدأ بالأصول قبل الفروع، وبالأساس قبل السقف….
وهذه ليست مجرد وصية دعوية… بل منهج في ترتيب الأولويات.
كان علماء السلف يفرقون بين العلم النافع والعلم الذي لا يزيد إلا الجدل….
قال الإمام مالك عليه رحمة الله:
“ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يقذفه الله في القلب.”
وقال الإمام الشاطبي إن الشريعة إنما جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
فإذا تحولت الدعوة إلى صناعة معارك يومية حول الجزئيات، حتى شغلت الناس عن المقاصد الكبرى، فقد اختل ميزان الأولويات، وإن كان الكلام في ذاته صحيحا.
وليس المقصود هنا التقليل من شأن الجزئيات…. فالجزئيات من الدين.
لكن السؤال هو:
هل كل جزئية تستحق أن تصبح مشروع العمر؟
وهل من الحكمة أن تستهلك الأمة ساعاتها في النقاش حول مسألة مختلف فيها، بينما الكذب، والظلم، والفساد، والجهل، والفرقة، والبطالة، وانهيار الأسرة، وسوء الأخلاق، تمر مرور الكرام؟
لقد رأينا في واقعنا مشهدا يتكرر كثيرا:
قد يكتب أحدهم مئات المنشورات عن هيئة لباس، أو طول ثوب، أو شكل لحية، أو مسألة اجتهادية، لكنه لا يكاد يكتب عن الصدق في التجارة، أو إتقان العمل، أو احترام النظام، أو حفظ المال العام، أو الوفاء بالعهد، أو حقوق الناس.
ثم يتساءل: لماذا لم تتغير الأمة؟
لأن الأمة لا تنهض حين تُحسن الجدل… بل حين تُحسن ترتيب الأولويات.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
“اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.”…
وليس المقصود بالاقتصاد هنا قلة العمل، بل إصابة موضع العمل….
فكم من جهد عظيم ضاع لأنه وُضع في المكان الخطأ….
– الطبيب الحكيم لا يبدأ بعلاج خدش في الإصبع، ويترك نزيف القلب.
– وقائد السفينة لا ينشغل بتلميع سطحها بينما الماء يتسرب إلى داخلها.
– والمهندس لا يبدأ بزخرفة النوافذ قبل أن يتأكد من سلامة الأساسات.
فلماذا نقبل في الدعوة ما لا نقبله في الطب والهندسة والإدارة؟
ومن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تُنتج جيلا يظن أن الدين هو أكثر المسائل إثارة للجدل، لا أكثرها أثرا في إصلاح الإنسان.
فتصبح البطولة عند بعض الناس في ملاحقة المختلفين في الجزئيات، لا في إصلاح النفس، ولا في نشر العلم، ولا في جمع الكلمة، ولا في بناء المجتمع.
ولذلك قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
“من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.”
لأن من اعتاد صناعة الجدل، احتاج كل يوم إلى قضية جديدة يبقي بها الناس في حالة استنفار.
إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي يثيرها الداعية…
بل بعدد القلوب التي أصلحها…. ولا بعدد المنشورات التي أشعلت الجدل…
ولا بعدد الخصوم الذين هزمهم…
بل بعدد العقول التي ارتقت… وبعدد الناس الذين اقتربوا من الله، وأصبحوا أصدق، وأعدل، وأرحم، وأكثر نفعًا للخلق….
فليس كل من أكثر الحديث عن الدين قد خدم الدين….
وليس كل من أثار الناس حول الجزئيات قد أحسن ترتيب أولوياتهم…
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة ليس أن تختلف في بعض الفروع…
بل أن تنسى، وسط ضجيج الفروع، لماذا جاء هذا الدين أصلًا.
فالدين الذي بدأ بكلمة ﴿اقْرَأْ﴾، وأقام ميزان ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وجعل خير الناس «أنفعهم للناس» في المعنى العام، لا يمكن أن يُختزل في صناعة معارك لا تنتهي حول كل جزئية، بينما تبقى معالي الأمور تنتظر من ينهض بها.
فالعاقل لا يزهد في الفروع، لكنه يعرف أن الشجرة لا تموت إذا سقطت منها ورقة، وإنما تموت إذا جفَّ أصلها…
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة