ليست المشكلة في أن نُعظِّم الحجاب أو النقاب؛ فالحجاب عبادة…
والنقاب أو تغطية الوجه “خيارٌ فقهي” مُعتبر عند طائفة من أهل العلم، وإذا اختارته المرأة -تقرُّبا إلى الله- فلا يملك أحد أن يسخر منها أو ينتقصها….
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول طاعة واحدة إلى محكمة كاملة، ويصبح لباس المرأة هو الوثيقة التي يُحكم بها على قلبها، وعفتها، وأخلاقها، ومصيرها عند الله…
فتُمنح المحجبة شهادة صلاح لمجرد حجابها، وتُمنح المنقبة مرتبة أعلى لمجرد نقابها، ثم تُوضَع غير المحجبة في خانة الريبة والتشكيك، وكأن العفة تُرى بالعين، وكأن التقوى بالقماش، وكأن الجنة لها زيٌّ موحّد يدخل به أصحابها…. !
والحق أن الله سبحانه لم يجعل لأحد منا حق الاطلاع على سرائر الناس، ولم يجعل المظهر وحده مقياسا نهائيا للفضل….
قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾….
فالتقوى ليست لافتةً يعلقها الإنسان على جسده، ولا رُتبة يمنحها لنفسه؛ وإنما حقيقة يعلمها الله، وتظهر آثارها في العبادة والخلق والعدل والرحمة وكف الأذى….
الطاعة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية ….
– فقد تطيع المرأة ربها في الحجاب، ثم تعصيه في لسانها….
– وقد تستر وجهها، ثم تكشف عيوب الناس وتطعن في أعراضهم ..
– وقد تضيق فتحة نقابها حتى لا يظهر منها شيء، ثم تفتح للغيبة والنميمة والتشكيك بالخلق أبوابا لا تُغلق….
– وقد تُخفي حاجبيها عن الرجال، لكنها لا تُخفي حسدها، ولا تضبط كِبرها، ولا تتورع عن إشعال الفتن بين زوج وأهله، أو بين امرأة وزوجها، أو بين أخ وأخيه…
– فهل أصبحت الطاعة في باب واحد صكّا يغفر الظلم في بقية الأبواب؟!
– وهل إذا وضعت المرأة النقاب أُسقط عنها حساب الكلمة والغيبة والنميمة والبهتان وكسر القلوب؟!
* العبادة ليست رشوةً يقدمها العبد ليشتري بها حق أذية الخلق….
والله الذي أمر بالستر هو نفسه الذي قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾….
وهو الذي قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾…
وهو الذي قال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾….
وهو الذي جعل رمي العفيفات بغير بيّنة جريمة…. لا مجرد هفوة لسان…
فمن العجب أن يتشدد إنسان في سنتيمترات من القماش، ثم يتساهل في أعراض البشر….. !
قد يستر القماش الجسد… ولا يستر فساد القلب ….
الحجاب طاعة، لكنه لا يُحوّل صاحبته إلى معصومة….
والنقاب عبادة وفضيلة عند من يعتقد وجوبه أو استحبابه، لكنه لا يرفع المرأة تلقائيّا فوق سائر النساء….
كما أن ترك الحجاب معصية عند جمهور الفقهاء، لكنه لا يعني أن صاحبته خالية من كل خير، ولا أنها فاقدة للعفة، ولا أن كل عمل صالح منها مردود…. !
فالإنسان قد يطيع في باب ويقصر في آخر…..
وقد تجتمع فيه حسنة وسيئة، وطاعة ومعصية، ونور وظلمة….
وهذه طبيعة البشر التي جاء الشرع لتهذيبها، لا لتقسيم الناس بسطحية إلى فريق كامل الطهر وفريق كامل الفساد…..
قد تكون امرأة غير محجبة صادقة لا تكذب، أمينة لا تخون، رحيمة بوالديها، واصلة لرحمها، تحفظ أسرار الناس، ولا تمد لسانها إلى عرض أحد….
وقد تكون أخرى شديدة الالتزام والاحتشام في ملبسها و ظاهرها، لكنها لا تدع مجلسا إلا ملأته غيبة، ولا علاقة إلا أفسدت فيها، ولا امرأةً تختلف معها إلا طعنت في نيتها وخُلُقها وشرفها….
– الأولى مُقصرة وآثمة في باب، والثانية مُقصرة وآثِمة في أبواب…. ولا نملك أن نجعل تقصير إحداهما يمحو كل خير فيها، ولا أن نجعل طاعة الأخرى تستر كل ظلم منها…..
الله سبحانه يحاسب الجميع على كل شيء، لا على ما اختاره المجتمع وحده ليكون عنوانا للدين…
سُئل النبي ﷺ عن امرأة كثيرة الصلاة والصيام والصدقة، لكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: «هي في النار».
وسُئل عن أخرى قليلة النوافل لا تؤذي جيرانها، فقال: «هي في الجنة».
والحديث صحيح….
وليس معنى الحديث أن الفرائض قليلة الأهمية، ولا أن الطاعات لا قيمة لها؛ وإنما معناه أن كثرة المظهر التعبدي لا تبيح العدوان على الخلق، وأن من أخطر الأوهام أن يظن الإنسان أن صلاته وصيامه وهيئته الدينية ستُسقط عنه حقوق العباد….
فحقوق الله مبناها على التوبة والمغفرة، أما حقوق البشر فمبناها على المُسامحة والقصاص…
وفي الحديث الصحيح عن المفلس، يأتي المرء يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، لكنه شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فتُؤخذ حسناته وتُعطى للمظلومين…..
= تأملوا المفارقة:
قد تكون حسنات الظاهر نفسها هي التي تُدفع ثمنا لجرائم اللسان واليد.
العفة أوسع من أن تُختزل في غطاء الرأس….
هي عفة النظر، واللسان، والنية، والمال، والعلاقات، والخلوات….
هي أن لا تخون المرأة زوجها، ولكنها أيضا أن لا تُحرض زوجا على ظلم أهله…
هي أن لا تقع في الفاحشة، ولكنها أيضا أن لا ترمي غيرها بها….
هي أن تستر جسدها، وأيضا أن تستر عيوب الناس…
هي أن تخاف على سمعتها، وأن تخاف بالقدر نفسه على سمعة غيرها.. .
أما أن تستر المرأة وجهها، ثم تمزق بلسانها وجوه الناس المعنوية، فهذه صورة ناقصة من التدين، لا يكتمل بها خلق ولا تستقيم بها عبادة….
* المرأة غير المحجبة ليست بمجرد كشف شعرها فاجرة أو قليلة العفة..
قد يدل الظاهر على طاعة معينة، لكنه لا يكشف مجموع الإنسان….
فمظهرها الخارجي يُخبرنا عن لباسها، لا عن قلبها وسائر أعمالها….
بعض الناس لا يكتفي بالقول إن المرأة أخطأت بترك الحجاب، بل ينتقل من الحكم على الفعل إلى الحكم على العرض…
فيصفها بأنها قليلة الحياء، أو سهلة، أو غير عفيفة، أو موضع ريبة…
وهذه قفزة لا يجيزها شرع ولا عقل….
عدم الحجاب لا يساوي الزنا ….
والتبرج لا يثبت فساد العرض….
والمعصية الظاهرة لا تبيح اختراع معاصٍ “لا دليل عليها” ونسبتها إلى العاصي…
بل حتى إذا رأى الإنسان تقصيرا حقيقيا، فليس له أن يضيف إليه من عنده اتهامات لم يرها ولم يثبتها….
قال تعالى:
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾.
وقال:
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾…
فالكلمة التي يظنها صاحبها دفاعا عن الفضيلة قد تكون عند الله بهتانا عظيما…
* هل طعن عرض المرأة غير المسلمة مُباح؟!
– كلا … قد تختلف الأحكام الفقهية التفصيلية المتعلقة بحد القذف وشروطه بين المسلم وغير المسلم، لكن أصل الظلم والبهتان والاعتداء على العرض لا يصبح حلالا لأن الضحية غير مسلمة…..
وقد نص أهل العلم على تحريم قذف غير المسلم المسالم، وإن اختلفوا في إقامة الحد، لأن الفرق قائم بين حرمة الفعل وبين العقوبة القضائية المترتبة عليه….
والقرآن أمر بالعدل مع المخالف، فقال:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾…
فإذا كان بغض قوم لا يبيح ظلمهم، فكيف يبيح اختلاف الدين تمزيق أعراض نسائهم؟المسلم لا يتقرب إلى الله بالكذب على غير المسلمة….
ولا يدافع المُسلم عن العفة بالطعن في عفة نساء غير محجبات….
ولا تنصر الفضيلة بالبهتان والكذب على امرأة ليست على دينك…
الفضيلة التي تحتاج إلى ظلم الآخرين كي تثبت نفسها ليست فضيلة…
المشكلة الأعمق في زماننا تكمُن في نشوء طبقية أخلاقية خفية بين النساء:
هذه “ملتزمة” فكل ما تفعله يُلتمس له العذر….
وتلك “غير ملتزمة” فكل ما تفعله يُحمل على أسوأ المحامل…
إن تكلمت المحجبة قيل: صريحة جريئة أخت رجال….
وإن تكلمت غير المحجبة قيل: قليلة حياء ومش مربية…. !
إن أخطأت المنقبة قيل: بشر تخطئ….
وإن أخطأت غير المنقبة قيل: ألم نقل لكم إن ظاهرها دليل باطنها؟!
وهكذا لا يعود اللباس عبادة بين العبد وربه، بل يتحول إلى امتياز اجتماعي يمنح صاحبته حسن الظن الدائم، ويحرم غيرها من أبسط حقوق الإنصاف…
وهذا ليس من العدل في شيء … فالعدل لا يتغير بتغير هيئة الخصم….
والحق لا يُقاس بطول الثوب ولا بعرض فتحة النقاب…..
ليس في الإسلام حكم واحد يبتلع بقية الأحكام….
الحجاب من الدين…. ومن أخذ بابا وترك أبوابا، لا يحق له أن يجعل الباب الذي أخذه معيارا لاحتقار من قصّر فيه…..
إن النفس تحب الطاعات التي لا تجرح كبرياءها، وتتهرب من الطاعات التي تتطلب منها الاعتذار، ورد الحقوق، وكظم الغيظ، والصمت عن أعراض الناس….
فلا تحوّلوا الحجاب إلى ستار يحجب بقية الدين …
عظّموا الحجاب، نعم … ولكن لا تجعلوه غطاءً للغيبة…
احترموا النقاب، نعم … ولكن لا تجعلوه شهادة عصمة….
انصحوا غير المحجبة، ولكن لا تُهينوها ولا تُقللوا من شأنها ..
قولوا إن الفعل خطأ، ولا تقولوا إن صاحبة الفعل بلا عفة….
افصلوا بين تقويم السلوك واغتيال الإنسان….
فليس كل نقد إدانة كاملة، وليس كل معصية سقوطا نهائيا، وليس كل طاعة نجاة مضمونة…..
نحن أمام رب عظيم حليم عدل.. لا يظلم مثقال ذرة، يُحصي الطاعة والمعصية، والستر والغيبة، والصلاة والبهتان، والحجاب وكسر القلوب، ثم يحكم بين عباده بالعدل المطلق:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
فلا تُزكوا امرأةً لأنكم رأيتم ما فوق رأسها، ولا تهدروا كرامة أخرى لأنكم ترون شعرها…
فرُبّ امرأة سترت جسدها ولم تستر أذى لسانها، ورب امرأة قصّرت في ستر شعرها، لكنها سترت عيوب الناس وحفظت أعراضهم …
والله لا تخدعه الهيئات، ولا تضيع عنده الطاعات، ولا تسقط من حسابه المظالم….
فارتدوا ما أمركم الله به، لكن قبل أن تراقبوا ثياب النساء، راقبوا ألسنتكم؛ فقد تنجو امرأة مع تقصيرها برحمة الله وتوبتها، ويهلك من كان يوزع عليها أحكام الهلاك، وهو لا يشعر أن لسانه كان أشد عريًا من رأسها..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة