حين تُختزل المقالة في كلمة واحدة

من أكثر الظواهر التي تستوقفني في القراءة والحوار، أن بعض الناس يقرأ المقالة كلها بعينٍ، ثم يضع العدسة المُكبرة على كلمة واحدة، حتى تصبح هذه الكلمة هي المقالة كلها….

قد تكتب ثلاثة آلاف كلمة عن مُجاهدة النفس، وعن تهذيب الشهوة، وعن الحرية الحقيقية، وعن علاقة الإنسان بربه……

ثم لا يبقى في ذهن بعض القراء إلا لفظة واحدة !!

فينتقل النقاش كله من الفكرة الكبرى… إلى جزئية لغوية أو اصطلاحية.

وليس المقصود هنا التقليل من أهمية سلامة الألفاظ، فالكلمة أمانة، و أشكر كل من نبهني إلى عبارة يمكن أن تكون أوضح أو أسلم، وقد عدلتها بالفعل.

لكن الذي يستحق التأمل هو شيء آخر…

لماذا يعجز بعض الناس عن رؤية الصورة كاملة؟

العقل الكبير يبدأ من الكليات…

ثم ينزل إلى الجزئيات….

أما العقل المشغول بالجزئيات وحدها، فإنه قد يهدم المعنى كله بسبب لفظة كان يمكن إصلاحها في ثوانٍ.

ولهذا قالوا:

العاقل يبحث عما أراد المتكلم، والخصم يبحث عما أخطأ فيه المتكلم.

فشتان بين من يفتش عن المقصد…

ومن يفتش عن الزلة…..

ولذلك كان علماء الإسلام أنفسهم يقررون قاعدة عظيمة:

“العبرة بالمقاصد والمعاني، لا بمجرد الألفاظ والمباني”

ولم يكونوا يقفون عند كل لفظ محتمل، ما دام السياق يبين المراد.

بل إن الإمام الشاطبي رحمه الله قرر أن الكلام لا يُفهم من كلمة معزولة، وإنما يُفهم من مجموع السياق الذي ورد فيه.

فلو اقتطعنا كلمة من أي كتاب، لأمكن أن نوقع صاحبه في ما لم يقصده.

المفارقة أن المقالة كلها كانت تدور حول سؤال واحد:

من الذي يقود الإنسان؟

أهو الهوى…

أم تعظيم الله؟

لكن بعض النقاشات انتهت إلى كلمة “يجلس”.

كيف تقولين أيتها الزنديقة المارقة: من يجلس على عرش قلبك الهوى ام الله ؟!

فضاع السؤال الكبير…

وانتصر السؤال الصغير.

وهذا لا يقتصر على المقالات… بل هو أسلوب في الحياة عند بعض القوم مع احترامي..

كم من زوجين انهار زواجهما لأن أحدهما توقف عند كلمة، ونسي عشرين سنة من المودة.

وكم من صديق خسر صديقه لأنه حفظ عبارة، ونسي ألف موقف.

وكم من داعية أو عالم أو مفكر حُورب بسبب جملة، بينما بقي مشروعه الفكري كله خارج دائرة النقاش….

إن الحضارات لا تبنى بمن يفتشون عن الهفوات فقط…

بل بمن يناقشون الأفكار….

والأمم التي تستهلك طاقتها في اصطياد عثرات الألفاظ، كثيرا ما تعجز عن صناعة المعاني.

ولذلك أعجبتني جميع الملاحظات التي جاءت بقصد البيان، وعدلت العبارة إلى ما هو أوضح وأبعد عن أي احتمال، فهذا من حسن التناصح الذي أمر به الإسلام.

لكنني خرجت من هذا الحوار بسؤال أكبر:

كم فكرة عظيمة ضاعت في تاريخنا… لأن بعضنا انشغل بالنافذة، ونسي البيت كله؟

فالنقد الراقي لا يقف عند الكلمة ليهدم الفكرة…

بل يبدأ بالفكرة، ثم يهذب الكلمة.

أما أن تختزل مقالة كاملة، أو كتابا كاملا، أو مشروعا فكريا كاملا، في لفظة قابلة للتعديل، فذلك ليس انتصارا للحقيقة، بل خسارة لها….

الباحث عن الحق يسأل أولا: ماذا أراد الكاتب أن يقول؟

أما الباحث عن الخطأ، فيسأل: أين الكلمة التي أستطيع أن أتوقف عندها وأنتقد الكاتب وأنسف قوله كله بل وأشكك في كل ما قال؟

وبين السؤالين… يتحدد الفرق بين من يبني المعرفة، ومن يستهلكها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

احترموا صغاركم

ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا كثيرًا ما تنصرف أذهاننا لدى الحديث عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *