كيف انتقل مركز الثقل من الوحي إلى الشرح؟!
* أدخل إلى أي مكتبة إسلامية كبيرة…ستقف أمام آلاف المجلدات.
شروح… وحواشٍ… واختصارات… وتقريرات… وتعليقات…
وتفريعات… ومقارنات بين الأقوال…
ثم ابحث بعينيك عن القرآن.
ستجده…
كتابا واحدا فقط….
كتابا واحدا…
وحوله محيطٌ كامل من الكلام…. !
وليس في ذلك ما يُستغرب؛ فالحياة أوسع من أن تُختصر في صفحات معدودة، ولذلك احتاج المسلمون إلى الفقه، والاجتهاد، والبيان، وتنزيل النصوص على وقائع لا تنتهي.
لكن تأمل المشهد مرة أخرى…
واسأل نفسك:
هل بقيت هذه الكتب تدور حول القرآن… أم بدأ القرآن يدور في فلكها؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
فالفرق كبير بين أمة تجعل الوحي أصلا، ثم تستعين بفهم العلماء للوصول إليه…
وبين أمة تبدأ بأقوال الرجال، ثم تعود إلى القرآن لتبحث فيه عما يؤيد ما استقر في أذهانها….
لقد أنزل الله كتابه ليكون المنطلق، والميزان، والمرجع الأعلى….
قال تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾
وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فلم يُنزله ليكون مقدمة للدرس، ثم يغيب بقية المجلس، ولم يُنزله ليصبح شاهدا على أفهامنا، بل لنكون نحن الشهود على هدايته.
ومن هنا نفهم سرّ الفرق بين الوحي والاجتهاد.
فالقرآن والسنة ليسا كتابا في الفقه الجزئي، ولا موسوعة في تفاصيل كل حادثة يمكن أن تقع إلى يوم القيامة، وإنما وضعا الأصول التي تقوم عليها الحياة، ورَسَما القواعد الكلية، وأقاما الميزان الذي تُوزن به الوقائع المتجددة….
ثم جاء الفقه ليجتهد في تنزيل تلك الأصول على آلاف النوازل التي لا تنتهي.
ولهذا كانت كتب الفقه ضخمة، ولم يكن القرآن ضخما.
فليس حجم الكتاب دليلا على منزلته، وإنما على طبيعة وظيفته.
فالقرآن يؤسس… والفقه يُفرع….
والقرآن يبني الميزان… والاجتهاد يستعمل ذلك الميزان…
والقرآن يصنع الرؤية… أما الفقه فينزلها على الواقع.
لكن المشكلة تبدأ عندما يختلط البناء بأدوات البناء، ويصبح ما وُضع لخدمة الأصل قائما مقام الأصل نفسه….
وهنا يتغير ترتيب العقل دون أن يشعر صاحبه….
فإذا سُئل عن مسألة، استحضر أولا اسم المذهب، أو كلام الشيخ، أو ما اعتاده الناس، قبل أن يستحضر كلام الله، وكأن الوحي أصبح في آخر سلسلة الاستدلال، بعد أن كان أولها….
ولذلك لم يكن الإمام مالك .. عليه رحمة الله… يقول:
“كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر” – تواضعًا فحسب، وإنما كان يرسم منهجا كاملا في التعامل مع المعرفة.
فكل فهم بشري ـ مهما علا صاحبه ـ يبقى فهما بشريا، يقترب من مراد الله ويبتعد، ويصيب ويخطئ.
ولهذا أيضا قال الإمام الشافعي: “إذا صح الحديث فهو مذهبي.”
لأن العالم الحق لا يجعل مذهبه ميزانا للنص، بل يجعل النص ميزانا لمذهبه.
ومن هنا نفهم لماذا كان اختلاف الأئمة رحمة، بينما يتحول اختلاف الأتباع أحيانا إلى خصومة….
فالأئمة كانوا يتحركون نحو الوحي…
أما بعض المتأخرين فتحركوا حول آرائهم…
ولم يقف الأمر عند حدود الفقه…. بل امتد إلى الخطاب الدعوي نفسه.
فأصبح كثير من الناس يتأثرون بقصة تُروى عن رجل صالح أكثر مما يتأثرون بآية من كتاب الله.
ويبكون لسردية لا يعرفون سندها، بينما تمرّ آيات الوعد والوعيد أمامهم مرورا عابرا….
وهذا لا لأن القصص مذمومة؛ فالقرآن نفسه مليء بالقصص، لكنه لم يروِها لإثارة المشاعر المجردة، وإنما لصناعة البصيرة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
فالعبرة هي المقصود… وليست الحكاية.
أما حين تصبح القصة هي التي تُحرك القلب أكثر من القرآن، فليس الخلل في القصة، وإنما في ترتيب مصادر التلقي داخل النفس….
لقد أصبح بعض الناس يحفظ عشرات الروايات التي لا يدرون أصحيحة هي أم لا، بينما لا يستطيع أن يبين المعنى الكُلي لسورة من كتاب الله…..
وأصبح البعض يعرف دقائق الخلاف في مسائل فرعية، لكنه يعجز عن بيان المقاصد الكبرى التي جاء القرآن لتأسيسها؛ كالعدل، والرحمة، والعمران، وحفظ الكرامة الإنسانية، وإقامة الميزان بين الناس.
ولذلك فإن الأزمة ليست في كثرة الفقه، ولا في كثرة الشروح، ولا في كثرة العلماء…. بل في أن يتحول ما هو وسيلة إلى غاية….
وأن يصبح ما هو شرح أصلا …
وأن تتراجع الكليات أمام الجزئيات، حتى يظن الناس أن الدين مجموعة فروع متناثرة، لا رسالة متكاملة.
وقد أدرك الإمام الشاطبي -رحمه الله- هذه الحقيقة حين جعل المقاصد الكلية روح الشريعة، ورأى أن الجزئيات لا تُفهم إلا في ضوء تلك الكليات، لأن الفرع إذا انفصل عن أصله فقد روحه، وإن بقيت صورته.
ولهذا فإن نهضة الأمة لن تبدأ من زيادة عدد الشروح، ولا من تضخيم الخلافات، ولا من إضافة حاشية جديدة إلى حاشية قديمة….
بل تبدأ يوم يعود القرآن إلى موقعه الطبيعي…
لا كتابا يُتلى فحسب… بل كتابا يُتفكّر به….
لا شاهدا نستدعيه بعد أن نكوّن آراءنا… بل قائدًا تتشكل به آراؤنا من البداية.
وحين يعود الوحي إلى مركز الدائرة، سيبقى للفقه مكانه العظيم، وللعلماء قدرهم، وللاجتهاد ضرورته، لكن كل شيء سيعود إلى حجمه الصحيح.
فليس المقصود أن يقل كلام العلماء……
بل أن يبقى كلام الله هو الذي يمنح كلامهم معناه، لا العكس…
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة