أقصر الناس عُمرا ليس من مات مُبكرا، بل من عاش لنفسه وحدها….!

وأطولهم عُمرا ليس من تجاوز التسعين، بل من غادر الدنيا وبقي أثره يمشي بين الناس بعده….

فالإنسان حين يحصر وجوده في ذاته، تصبح الحياة غرفة ضيقة الجدران؛ تبدأ عند رغباته وتنتهي عند حاجاته…..

يفرح إذا ربح لنفسه، ويحزن إذا خسر لنفسه، ويقيس الدنيا كلها بمقدار ما تضيفه إلى رصيده الشخصي من مال أو لذة أو مكانة….

وهكذا تتقلص الحياة حتى تصبح بحجم جسد واحد وعمر واحد وقبر واحد….

أما حين يعيش الإنسان لفكرة أكبر منه، أو لقضية تتجاوز حدود ذاته، أو لمبدأ يؤمن أنه يستحق البذل والتضحية، فإن عمره يتحرر من قيود السنوات والأرقام….

عندها لا يعود ابن أربعين أو خمسين أو سبعين سنة، بل يصبح امتدادا لسلسلة طويلة من البشر الذين حملوا الفكرة نفسها عبر العصور.

ولهذا كان الأنبياء أطول الناس عُمرا وإن كانت أعمار بعضهم قصيرة….

لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم، بل عاشوا لرسالة…

وماتوا وأجسادهم تحت التراب، بينما كلماتهم ما زالت تصنع الأمم وتغير التاريخ وتُعيد تشكيل الضمائر.

إن الفرق بين من يعيش لذاته ومن يعيش لفكرة يشبه الفرق بين قطرة ماء راكدة في حفرة صغيرة، ونهر عظيم يصب في البحر….

فالقطرة تبدأ وتنتهي في مكانها، أما النهر فيحمل في جريانه آثار الجبال والسهول والقرى والمدن، ثم يواصل رحلته بعد أن يغيب عن العيون….

ولذلك فإن أعظم وهم يقع فيه الإنسان هو أن يظن أن عمره هو عدد السنوات المكتوبة في شهادة ميلاده ….

الحقيقة أن عمر الإنسان الحقيقي هو مقدار الأثر الذي يتركه خلفه….

فكم من رجل عاش ثلاثين عاما لكنه ما زال حاضرا في ضمائر الناس بعد ثلاثة قرون، وكم من آخر عاش قرنا كاملا ثم انطفأ ذكره قبل أن يجف تراب قبره.

وحين نتأمل التاريخ نجد أن الذين غيروا وجه العالم لم يكونوا دائما أصحاب الجيوش أو الثروات، بل أصحاب الأفكار….

فكرة صغيرة آمن بها صاحبها بصدق قد تعبر القارات وتنجو من الحروب وتنتصر على الموت نفسه. ..

لأن الموت يستطيع أن يوقف نبض القلب، لكنه لا يستطيع أن يقتل فكرة وجدت من يحملها بعد صاحبها.

ولهذا فإن الإنسان لا يخلد بجسده، بل بمعناه…. ولا يبقى بعظامه، بل بأثره…

ولا يربح الحياة بطولها، بل بعمقها….

إن الذين يعيشون لأنفسهم يخشون الشيخوخة؛ لأنهم يرون فيها اقتراب النهاية…

أما الذين يعيشون لفكرة فيدركون أن النهاية الحقيقية ليست توقف القلب، بل توقف العطاء…

ولهذا يظلون يعملون ويزرعون ويبنون، لأنهم يعلمون أن الثمرة قد لا يأكلونها هم، لكن سيأتي من ينتفع بظلها بعدهم.

وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة حين جعلوا أعمارهم جسورا تعبر عليها الأجيال….

فبنوا المدارس ولم يدرّسوا فيها، وحفروا الآبار ولم يشربوا منها، وأوقفوا الأوقاف ولم ينتفعوا بها إلا قليلا….

كانوا يدركون أن الإنسان حين يحيا لنفسه يملك عمرا واحدا، أما حين يحيا لغيره فإنه يستعير أعمار الذين ينتفعون بأثره جيلاً بعد جيل.

ولهذا كان أعظم استثمار يمكن أن يفعله المرء في حياته ليس أن يجمع ما يفنى، بل أن يغرس ما يبقى…..

فالأموال تُورث، والمناصب تنتقل، والشهرة تذبل، أما الأثر الصالح فإنه يمضي في طريقه الطويل لا يلتفت إلى موت صاحبه.

إن الحياة التي تُعاش للذات تشبه شمعة تضيء غرفة صغيرة ثم تنطفئ….

أما الحياة التي تُعاش لفكرة فتشبه شروق الشمس؛ قد يغيب قرصها عن الأفق، لكن نورها يظل ممتدّا في كل مكان.

ومن هنا نفهم سر العظماء الحقيقيين: لم يكونوا يبحثون عن عمر أطول، بل عن معنى أعمق…… فلم يطلبوا أن يعيشوا أكثر من الناس، بل أن يعيش الناس أكثر بهم.

وحين يصل الإنسان إلى هذه المرتبة، يصبح موته حدثا يخص جسده فقط، أما هو فيبقى…..

يبقى في كلمة علّمها، أو قيمة غرسها، أو حق دافع عنه، أو فكرة أشعل بها مصباحا في عقل إنسان آخر…..

وهكذا يربح الإنسان أضعاف عمره الفردي….

لا لأن الزمن قد توقف له، بل لأنه خرج من سجن ذاته إلى رحابة الإنسانية كلها. وهناك فقط يكتشف أن الحياة لم تكن يوما بعدد السنوات التي عشناها، بل بعدد الأرواح التي لامسناها، وعدد الآثار التي تركناها، وعدد المعاني التي أبقيناها حيّة بعد أن رحلنا.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل تخوض سوريا حربًا بالوكالة ضد حزب الله؟

على الرغم من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، إلا أن الملف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *