ليست العبقرية في أن تُخفي الحقيقة كلها، بل في أن تكشف منها القدر الكافي ليصبح الانتظار نفسه حدثًا….
فالمفاجأة لحظة، أما التشويق فهو رحلة….
ولهذا لا تقوم أعظم الأعمال على إخفاء كل شيء عن الناس، بل على منحهم جزءا من الصورة وتركهم يعيشون قلق الاحتمالات….
فالمُشاهد الذي لا يعرف شيئا لا يشعر إلا بالدهشة عند النهاية، أما الذي يعرف أن القنبلة تحت الطاولة فإنه يعيش كل ثانية قبل الانفجار وكأنها جزء من الحدث نفسه.
وهذه ليست قاعدة في السينما فقط، بل في الحياة أيضا …
فالخوف الحقيقي لا يولده الخطر، بل يولده العلم بالخطر مع العجز عن معرفة موعد وقوعه….
ولهذا كان الناس أقل قلقا قبل العواصف من قلقهم أثناء انتظارها….
وكانت الأمم أكثر اضطرابا في فترات الترقب منها في لحظات الحسم….
فالإنسان يستطيع مواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية، لكنه يرهقه الانتظار بين الاحتمالات.
ومن يتأمل السياسة يجد أن كثيرا من القوى لا تحكم خصومها بالقوة وحدها، بل بالتشويق المدروس. …
تسرّب معلومة، وتلمّح إلى قرار، وتلوّح بخيار، ثم تترك الجميع أسرى السؤال:
ماذا سيحدث بعد ذلك؟ فيصبح القلق نفسه أداة نفوذ.
حتى الحياة الشخصية تقوم على القانون ذاته؛ فليس أكثر ألما من وعد لا تعرف مصيره، أو باب لا تعرف إن كان سيفتح أم سيغلق، أو طريق ترى نهايته من بعيد ولا تستطيع بلوغها…..
لقد فهم كبار صناع الدراما أن الإنسان لا يعيش على الحقائق وحدها، بل على التوقعات أيضا….
ولذلك فإن أعظم ما يشد البشر ليس ما حدث، بل ما قد يحدث.
فنحن لا نخاف الرصاصة بعد خروجها من فوهة البندقية، بل قبل خروجها….
ولا نقلق من الكارثة بعد وقوعها، بل أثناء اقترابها….
ولا نرتجف من النهاية حين نراها، بل حين نشعر أنها تقترب دون أن نعرف متى تصل.
وهكذا فإن الحياة نفسها ليست سلسلة من الأحداث، بل سلسلة من الانتظارات…
ولهذا كان الانتظار أحد أثقل الأوزان التي يحملها القلب البشري؛ لأنه يجبر الإنسان على العيش بين عالمين:
– عالم يعرف فيه الحقيقة …
– وعالم لا يعرف فيه موعد ظهورها….
وهناك، في تلك المسافة الضيقة بين المعرفة واليقين، يولد التشويق…
وتولد معه أكثر مشاعر الإنسان عمقا…
نحن لا نعيش أعمارنا بين ما حدث وما سيحدث، بل بين ما نعرفه وما نخشاه.
وهناك، في المسافة بين الحقيقة وانتظارها، تُصاغ أكثر قرارات البشر وأخطائهم ومصائرهم…
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة