الخط المستقيم لا يحتاج إلى شتم الخطوط المعوجة

من أعظم الأخطاء التي تقع فيها الأمم والأفكار والحركات الإصلاحية أن تجعل معركتها مع الباطل أكبر من رسالتها في بناء الحق….
فالحقائق الكبرى في الحياة لا تنتصر لأنها حاربت خصومها جيدا، بل لأنها استطاعت أن تقدم نفسها للناس في صورة واضحة ومقنعة وجميلة.

الشجرة لا تثبت أنها شجرة لأنها تهاجم الحشائش التي حولها، بل لأنها ترتفع في السماء وتضرب جذورها في الأرض وتؤتي ثمرها….
والشمس لا تقضي عمرها في مطاردة الظلام، بل يكفي أن تشرق…

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع فكري أو دعوي أو حضاري أن يتحول من مشروع بناء إلى مشروع رد فعل، ومن مشروع يحمل رسالة مستقلة إلى مشروع يستمد وجوده من خصومه.

إن الباطل في كثير من الأحيان لا يعيش بقوته، بل يعيش لأن أهل الحق انشغلوا به أكثر مما انشغلوا بالحق نفسه…..

ولذلك لم يبدأ القرآن الكريم بتفصيل الضلالات بقدر ما بدأ بتعريف الناس بربهم….

ولم يبدأ النبي ﷺ حياته المكية بتشريح الفِرَق والتيارات والرد على كل انحراف جزئي، بل بدأ ببناء الإنسان الذي يعرف الله، ويعرف معنى العبودية، ويعرف لماذا يعيش وإلى أين يمضي…..

فإذا استقام الأصل سقطت الفروع الفاسدة من تلقاء نفسها….

ولهذا كان الإمام مالك رحمه الله يقول: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”…..
وأول هذه الأمة لم تصلح لأنها حفظت أسماء الفِرَق والتيارات والمقالات التي ترُدّ على كل انحراف فيهم أو خطأ، وإنما صلحت لأنها عرفت ربها فعرفته القلوب، وعرفت الحق فاستقامت عليه النفوس.

إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يحفظ ألف طريق منحرف إذا كان يعرف الطريق الصحيح معرفة يقينية….

ولهذا لم يقل الله تعالى: هذه هي السبل المنحرفة فاحذروها، ثم ذكر الصراط المستقيم بعد ذلك؛ بل قال أولا: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه} ثم أتبعها بالنهي عن السبل.
فالحق في التصور القرآني هو الأصل، وما عداه مجرد طوارئ.

وقد أدرك هذه الحقيقة حتى بعض حكماء البشر خارج الدائرة الإسلامية….
يقول غوته: “ليس المهم أن تعرف أين يقع الخطأ، بل أن تعرف أين يكمن الصواب”. ويقول كونفوشيوس: “من الأفضل أن تضيء شمعة من أن تلعن الظلام”.

ولعل من أخطر التحولات التي أصابت بعض الخطابات المعاصرة أنها جعلت جمهورها يعرف الباطل أكثر مما يعرف الحق، ويجيد الجدل أكثر مما يجيد البناء، ويحفظ الشبهات أكثر مما يحفظ اليقين….

فأصبح بعض الناس يعرف تفاصيل الانحرافات الفكرية والعقدية والسياسية معرفة دقيقة، لكنه يعجز عن أن يرسم للناس صورة واضحة للعقيدة الصحيحة أو المنهج الصحيح أو المشروع الحضاري الصحيح.
وهنا تتحول الدعوة من قيادة للطريق إلى مراقبة للمنعطفات…..
ومن رسم الصراط المستقيم للناس بوضوح إلى كشف اعوجاج كل الطرق الأخرى دون أن يُقصّر في مُطاردتها طريقا طريقا.

الخط المستقيم لا يحتاج إلى أن يُسيء إلى الخطوط المعوجة ولا أن يشتم أصحابها؛ يكفي أن يكون مستقيما…. وفي ذلك …. فلينافس المُتنافسون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

السيادة تبدأ من الداخل

ليس كل من جلس على “عرشٍ” ملكا… ولا كل من حمل لقبا صار سيدا… فكم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *