على الرغم من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، إلا أن الملف المتعلق بحزب الله اللبناني لا يزال يمثل تهديدًا لنجاح المفاوضات، إذ أن طهران لا تُظهر استعدادًا للتخلي عن إدراج الحزب الموالي لها في أي تفاهم نهائي، بينما يسعى الرئيس الأمريكي ترامب للفصل بين الصراع الأمريكي الإيراني، والصراع بين دولة الاحتلال وحزب الله اللبناني.
وعلى ما جرت به عادته من التصريحات المفاجئة الصادمة، فاجأنا ترامب بمقترح تفويض سوريا في التعامل مع ملف حزب الله، والتصريح بأن الرئيس السوري أحمد الشرع أقدر من إسرائيل على بلوغ هذا الإنجاز.
اللافت في هذا التصريح ليس مضمونه غير المتوقع، وإنما في توقيته، إذ أنه يأتي بعد أيام من تصريح للرئيس الشرع – سبقته تصريحات متتالية مشابهة- بأنه لا نية لدى سوريا للتدخل في الشأن اللبناني، ولا استعداد لديها لتكون طرفًا في معارك إقليمية، بما يطرح سؤالًا بشكل حتمي: إذا كان ترامب يدرك توجهات القيادة السورية حيال ملف حزب الله اللبناني مسبقا، فلماذا أتى بهذا المقترح الصادم؟
من المؤكد أن التصريح يحمل رسالة ما، فهل هي موجهة إلى الرئيس أحمد الشرع من باب التذكير بأنه مدين لترامب الذي أسهم في صعوده إلى الحكم –وفق تصريح الرئيس الأمريكي- وأن عليه أن يستعد لدفع الثمن في أي وقت حتى وإن لم يكن فيما يتعلق بحزب الله؟
هل هي موجهة لنتنياهو للتفكير في بدائل أخرى غير الحل العسكري في التعامل مع ملف حزب الله؟
هل هي رسالة تهديد وورقة ضغط على الدولة اللبنانية وحكومتها الرسمية باحتمال تدخل جهات إقليمية في لبنان وتجاوز الدولة، بهدف التحرك بشكل أسرع وأكثر فاعلية في مسألة نزع سلاح حزب الله؟
هل هي محاولة تسكين الأوضاع بشكل مؤقت لحين إتمام المفاوضات النهائية مع إيران لتحييد فكرة إدراج الحزب في المفاوضات؟
كلها تفسيرات محتملة واردة، تتفق مع سلوك الإدارة الأمريكية في عهد ترامب التي تسعى للتعامل مع الأزمات في الشرق الأوسط بأسلوب المقاول السياسي وعن طريق حلفاء فاعلين لتجنب انخراط الولايات المتحدة في صراع مباشر.
لكن السؤال الأهم مما سبق، والذي يعنينا بشكل مباشر في هذا المقام: هل يمكن بالفعل أن تقبل سوريا بخوض حرب بالوكالة ضد حزب الله اللبناني؟
سنتجاوز في الإجابة على هذا السؤال تصريحات الرئيس الشرع التي تؤكد على عدم وجود نية للتدخل في لبنان، ونتكئ على رؤية واقعية لما تفرضه مصالح سوريا فيما بعد سقوط الأسد، وبما يتناغم مع مسار العلاقات الخارجية الذي رسمته القيادة الجديدة.
التفويض يفترض أن هناك مصلحة لسوريا في التدخل في الشأن اللبناني، لكن الحسابات السورية تقع في موضع عكسي تمامًا، فسوريا قد خرجت لتوها من سنوات طويلة من الحرب والدمار والانقسام، فمن ثم تواجه تحديات هائلة تتعلق بالاقتصاد والبنى التحتية وبناء المؤسسات، وكلها تجعل الأولوية القصوى للبناء الداخلي لا القيام بمغامرات خارج الحدود.
من ثم فإن الإدارة السورية الجديدة رسخت مبدأ تصفير النزاعات والتزام مسارات تدمجها في البيت العربي والمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، والتركيز على البناء الداخلي، خاصة وأن سوريا تواجه تحديات أمنية ضخمة، داخلية تتمثل في النزعات الانفصالية، وخارجية تتعلق بالانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للأجواء والأراضي السورية.
تدرك سوريا أن تورطها في حرب ضد حزب الله حتما سوف يستنزف قدراتها العسكرية والبشرية ويعرض أمنها القومي لأخطار جمة، في وقت تسعى فيه للتعافي من الآثار الوخيمة لحقبة بشار الأسد.
كما أن سوريا اليوم تعيد تعريف نفسها اليوم باعتبارها دولة باحثة عن الاستقرار والتنمية والشراكات الاقتصادية، بعيدًا عن التبعية والوصاية، تلك التبعية هي التي جعلت سوريا في عهد الأسد تدفع ثمنًا باهظًا نتيجة دخولها في العباءة الإيرانية، والتي خسرت بسببها الحاضنة العربية.
انطلاقًا من ذلك لا ترغب دمشق في أن تكون طرفًا في صراعات الآخرين، ولا أداة لتنفيذ أجندات خارجية، بل تقدم نفسها بوصفها دولة تبحث عن مستقبلها الخاص بعد سنوات من الضياع.
سوريا حال انخراطها في ذلك الصراع، سوف تكون مطالبة بتقديم مبررات موضوعية واقعية للداخل السوري الذي لم تهدأ أنفاسه بعد من آثار الصراعات، والذي تحاول الإدارة الجديدة لملمته من خلال تقديم نموذج لنظام سوري جديد يضع مصلحة الوطن والمواطنين في المقام الأول.
وسوف تكون مطالبة كذلك بتقديم نفس المبررات الموضوعية الواقعية للحلفاء الإقليميين الذين يدعمونها في مسيرة البناء والتنمية، مثل تركيا والسعودية وقطر، فهذه الدول يهمها استقرار الدولة اللبنانية، وهذا الاستقرار يصطدم بلا شك بالتدخل السوري في الشأن اللبناني، فهو يبرز دمشق على أنها شريك للعدوان الإسرائيلي على لبنان وأنها تتقاسم وتتناوب معه الأدوار.
قبول سوريا بهذا التفويض يخرجها عن خطاب الدولة إلى خطاب المحاور، ويجعلها تبدأ من حيث انتهى نظام الأسد، ولكن بدلا من التحرك ضمن المحور الإيراني، سيكون تحركها في هذه الحال ضمن المحور الأمريكي، وهو توجه يجهض هذه الدولة الوليدة في بدايتها.
الإدارة السورية الجديدة تسعى لرسم هوية سياسية للدولة بعد عقود من الاصطفافات والصراعات الإقليمية، ولا تقبل بأن تعرف نفسها من خلال أزمات الآخرين، والرئيس أحمد الشرع أقرب إلى الزعيم الذي يعمل على تحويل بلاده من منصة للنزاع إلى منصة للتنمية، ضمن سياسة جوهرها الفصل بين التأثر بالأحداث والمشاركة في صناعتها.
لذا نستطيع القول بوضوح، أن قبول سوريا بالتفويض الأمريكي أو الوكالة عن الولايات المتحدة في شن حرب ضد حزب الله، يتعارض بشكل كلي مع أهدافها الاستراتيجية، وأن تحمل كلفة الضغوط الأمريكية أقل بكثير من الكلفة المحتملة التي تتحملها حال قيامها بدور الوكيل في التعامل مع ملف حزب الله.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة