ليس أخطر ما في الذنوب أن يقع فيها أصحابها، بل أن تتحول إلى رخصة تمنح الآخرين حق الظلم والطعن والافتراء.
فبعض الناس إذا رأى امرأة مطربة، أو متبرجة، أو ممثلة، أو رجلاً مشهورًا أخطأ في أمر من الأمور، ظن أن ذلك يُسقط عنه حرمة الطعن في عرضه، فيستبيح الكذب عليه، ويتتبع عثراته، ويختلق القصص حوله، ويخوض في نيته وذمته وشرفه، وكأنه نُصّب قاضيًا على الخلق جميعًا.
وهذا من أعجب التناقضات؛ فالمعصية معصية، لكن الظلم أيضًا معصية، والكذب معصية يا عزيزي ، والبهتان معصية أختي الكريمة ، والطعن في الأعراض من أكبر الكبائر يا قوم … ولو كان أحدكم يكذب او يطعن عرض آثِم أو عاصٍ ابتلاه ربّه بينما ستر فيك ألف عيب ومعصية…
لقد مرّت جنازة على النبي ﷺ فأثنى الناس عليها خيرًا فقال: «وجبت»، ثم مرّت أخرى فأثنى الناس عليها شرًا فقال: «وجبت».
ومع ذلك لم يكن ﷺ يفتش في بيوت الناس، ولا يتتبع عوراتهم، ولا يحرض على التشهير بهم، بل قال: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا”.
فكيف بمن يبني أحكامه على الإشاعات والظنون والصور والفلاتر والمقاطع المجتزأة؟
وجاء رجل إلى الإمام الشافعي رحمه الله ينقل إليه كلامًا سيئًا قيل فيه، فقال الشافعي: “إن كنت صادقًا فأنت نمّام، وإن كنت كاذبًا فأنت بهّات”.
فلم ينشغل الإمام الشافعي بمن قيل فيه الكلام، بل أنكر على ناقل السوء نفسه.
وكان السلف يفرقون بين إنكار المنكر وبين أكل لحوم الناس…
– فالأول عبادة، والثاني جريمة.
– الأول نصيحة، والثاني فضيحة.
– الأول يقصد إصلاح الخلق، والثاني يقصد التشفي منهم.
ولذلك فإن من أخطر أمراض عصرنا أن يتحول الناس إلى محاكم متنقلة، يصدرون الأحكام من خلف الشاشات، ويخوضون في الأعراض بلا بينة، ويتداولون الكذب على أنه معلومة، والتنمر على أنه مزاح، والشماتة على أنها غيرة على الدين.
ولو أن هؤلاء تذكروا موقف النبي ﷺ مع المرأة الغامدية التي أقرت على نفسها بالذنب، ومع ماعز رضي الله عنه، لعلموا أن الشريعة جاءت لتطهير الناس لا لامتهانهم، ولإقامة العدل لا لإطلاق ألسنة الخلق في بعضهم.
إن الإنسان قد يخطئ في لباسه، أو فنه، أو فكره، أو سلوكه، أو أسلوب حياته بما لا يتوافق مع الشرع أحيانا .. لكن ذلك لا يمنح أحدًا صكًا مفتوحًا للكذب عليه أو انتهاك عرضه.
فالعدل ليس أن تحب إنسانًا فتغض الطرف عن أخطائه، ولا أن تكره إنسانًا فتختلق له أخطاءً ليست فيه.
وقد لخّص القرآن هذا الميزان الخالد في قوله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فإذا كان الله يأمر بالعدل مع من نبغضهم، فكيف بمن نختلف معهم أو لا يعجبنا نمط حياتهم؟
إن الأخلاق الحقيقية تظهر حين نختلف، والورع الحقيقي يظهر حين نقدر على الكلام فنصمت عن البهتان، والتدين الحقيقي ليس في تتبع عورات الخلق، بل في حفظ اللسان عنهم.
فكم من عاصٍ بينه وبين الله ما لا نعلمه، وكم من متدين أفسدت الغيبة والكبر والتنمر حسناته وهو لا يشعر.
ولهذا كان السلف يقولون: “لو كانت للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالس أحدًا”.
فاللهم طهّر ألسنتنا من الظلم كما نرجوك أن تطهّر جوارحنا من المعصية..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة