في كل حربٍ يعلو صوت المدافع أولا، ثم يأتي صوت السوق لاحقا…
لكن في منطقتنا، يحدث العكس أحيانا:
السوق يبدأ بالهمس قبل أن تنفجر القذائف….
التوتر الجديد حول مضيق هرمز لم يبقَ في نطاق البيانات العسكرية، بل انتقل فورا إلى شاشات الطاقة والبورصات وشركات التأمين البحري….
فمجرد الحديث عن احتمال تعطّل المضيق – ولو لساعات – كفيل بأن يخلق موجة ارتباك عالمية….
وليس ذلك تهويلا …
حوالي عشرين في المئة من نفط العالم يمر عبر مضيق هرمز….
هو ليس ممرّا محليا ولا ورقة ضغط إقليمية، بل نقطة اختناق في شريان الطاقة العالمي….
وأي اضطراب فيه، حتى لو لم يتحول إلى إغلاق فعلي، يكفي لإحداث صدمة تسعيرية فورية….
السوق لا ينتظر تأكيدا رسميّا…
السوق يتحرك على الاحتمال.
– ارتفاع سريع في أسعار النفط
– تقلبات حادة في الأسواق
– زيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن
– قفزة في كلفة التأمين والشحن
– ثم ضغط تضخمي يتجاوز الخليج إلى أوروبا وآسيا. ….
=هذه ليست توقعات نظرية، بل آلية معروفة في اقتصاد يعتمد على تدفق الطاقة دون انقطاع.
المفارقة أن المتضرر الأكبر من تعطيل المضيق لن يكون واشنطن وحدها…
الصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم، ستكون في مقدمة المتضررين…
وهنا يتشابك الاقتصاد بالجغرافيا السياسية:
هل إغلاق المضيق رسالة ردع؟ أم مغامرة تحوّل الضغط إلى عزلة؟
إيران تقول إنها تستهدف المصالح الأمريكية….
لكن :
-حين تتلقى السفن التجارية رسائل على موجات التردد العالي بأن “العبور غير مسموح
– وحين تتساقط مسيّرات قرب مطارات مدنية خليجية
= يصبح السؤال مشروعا:
هل هذه مواجهة مع واشنطن؟ أم مخاطرة ببيئة إقليمية أعلنت أصلا رفضها للحرب؟
المضيق لا يُغلق ببيان…..
إغلاقه الفعلي يعني ألغاما بحرية….
والألغام لا تخلق بطولة إعلامية، بل تستدعي أساطيل دولية….
الخوف من لغمٍ واحد قد يجعل المضيق فارغا مائة في المائة دون إعلان رسمي. وعندها لن يكون الصراع ثنائيا، بل سيتحوّل إلى إجماع دولي على إعادة فتح شريان الطاقة بالقوة….
السياسة ليست استعراضا عضليّا… هي إدارة أوراق.
وحين تُستخدم ورقة “مضيق هرمز ” مبكرا، فإن صاحبها يخاطر بأن يجد نفسه لاحقا بلا أوراق تفاوضية….
فكل تصعيد يُقرّب لحظة الحساب البارد….
هل لإيران فرصة في هذه المعركة؟
السؤال الأدق: فرصة في ماذا؟
*في تغيير ميزان قوة عالمي؟
– هذا مستبعد….
* في رفع كلفة المواجهة وإطالة أمد التفاوض؟
– محتمل.
* في التحكم الكامل بسير المعركة؟
– هذا أقرب إلى الوهم….
الحروب الحديثة لا تُدار بالشعارات والكلمات الحماسية، بل بسقوف تصعيد محسوبة….
القوى الكبرى لا تتحرك بدافع الغضب، بل وفق مصالح واضحة…
إذا قررت واشنطن وتل أبيب إسقاط النظام، فستفعل ضمن توازنات دولية محسوبة…
وإذا قررتا إخضاعه وتقليم أظافره فقط، فسيكون المسار مختلفا..
المسألة ليست أخلاقية ولا عاطفية، بل حساب قوة….
*إغلاق مضيق هرمز يعني هزة اقتصادية عالمية….
لكن الأثر لن يكون إقليميًا فقط….
إنه ضغط مباشر على الاقتصاد الدولي، وعلى الدول التي تعتمد على استقرار الطاقة أكثر مما تعتمد على البيانات الثورية.
مضيق هرمز شريان حياة….
ومن يستخدم قطع هذا الشريان كورقة ضغط، عليه أن يتذكر أن الجسد الدولي قد يتحرك كله لحمايته !
والسوق، كعادته، يتكلم مُبكِرا.
أما المدافع… فتأتي لاحقا ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة