نعم .. لسنا في موضع شماتة بشعبٍ أنهكته العقوبات الخارجية والقمع المحليّ..
ولسنا نشمتُ بأمٍ إيرانية تخشى على ابنائها ..
ولسنا نفرح بإبادة طائفةٍ لها وجودها وتاريخها وامتدادها في هذه الأمة.
لكن بلى… الموضع موضع مساءلة أخلاقية وتاريخية لمشروعٍ سياسيٍّ جعل من الدم العربي رافعة نفوذ ..
حين اجتاح التتار بغداد، كتب المؤرخ ابن الأثير كلمته الشهيرة:
“فلو قال قائل إن العالم منذ خلق الله آدم إلى الآن لم يُبتلوا بمثلها لكان صادقًا”..
كان المؤرخ يبكي مدينة سقطت…
أما نحن، فنبكي مُدنًا سقطت ولم تنتهِ من السقوط بعد.
بغداد بعد 2003 لم تسقط مرة واحدة….
-سقطت تحت الاحتلال
– ثم سقطت تحت الطائفية ..
– ثم سقطت تحت الميليشيات ..
– ثم سقطت تحت التبعية.
وسوريا لم تُدمر فقط بالحرب ..
-بل دُمِّرت بتحويلها إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
– واليمن لم يُنهكه انقلاب واحد .. بل أنهكته حروب الوكلاء.
أين تبدأ المشكلة؟
المشكلة ليست في التشيُّع كعقيدة… وليست في الفُرس كأمة.
وليست في التاريخ….
المشكلة في مشروع دولة قررت أن تُصدّر ثورتها،
وتبني نفوذها عبر:
-دعم ميليشيات عابرة للحدود
-ترسيخ الهويات الطائفية
-خلق كيانات موازية للدولة داخل الدولة
-الاستثمار في الفوضى أكثر من الاستقرار
= عندما يصبح الولاء العقائدي عابرا للحدود وأعلى من الولاء الوطني،
تتحول العواصم إلى ساحات نفوذ، لا أوطان.
للمتعاطفين مع إيران… ممن يتهموننا بالصهينة والعمالة للكيان الصهيوني الدموي الذي نكتب ضدّه منذ صار لنا قلم ..
اسألوا أنفسكم بصدق:
– هل العراق اليوم أقوى دولة أم أكثر هشاشة؟
– هل سوريا استعادت سيادتها أم أصبحت مسرحًا لقوى متعددة؟
– هل لبنان دولة طبيعية أم رهينة سلاحٍ خارج مؤسساتها؟
– هل اليمن أقرب إلى الاستقرار أم أبعد؟
إذا كان الجواب أن هذه الدول خرجت أضعف،
فمن المستفيد؟
ليس المطلوب منكم أن تكرهوا إيران، بل أن تفصلوا بين شعبٍ ومشروع.
بين حضارةٍ وسياسة….
بين حق الدفاع عن النفس، وحق التمدُّد في جغرافيا الآخرين.
الشماتة ليست فضيلة .. بلا شك ..
الشماتة بسقوط دولة ليست أمر يفخر فيه أحدنا…
لكن الصمت على مشروع يفتخر بتمدّد نفوذه في أربع عواصم عربية ويفرح بإحراق المُدن على رؤوس أهلها كُلّما تقدّمت ميليشياته. ليس حكمة وليس من الأخلاق والدين في شىء ….
حين كانت بعض القيادات تتحدث عن “الهلال” و”العواصم الأربع”،
كانت عواصمنا تنزف….
هل نسيتُم؟
الفرح بسقوط المدنيين جريمة، وحاشا لله أن نُشارك في هذا …
لكن المطالبة بمحاسبة مشروع سياسي تسبب في مآسٍ إقليمية وكوارث أخلاقية ليست جريمة.
الخطر ليس في قوة إيران وحدها، بل في هشاشة بيئتنا العربية.
حين تغيب الرؤية – كما في حوار أليس في بلاد العجائب مع الأرنب-
تصبح كل الطرق متساوية….
وحين لا نعرف إلى أين نريد أن نذهب، نصبح ساحةً لمن يعرف ماذا يريد.
الفاجر لا يُهزم بالشتم، ولا بالتحريض، ولا بإعادة إنتاج خطاب طائفي مُماثل.
بل يُهزم ببناء دولة عادلة، ومجتمع متماسك، ورؤية استراتيجية.
أكرر :
أنا لا أشمت بشعب.
ولا أفرح بدم.
ولا أحتفل بفوضى.
لكنني أرفض أن يُقدَّم مشروعٌ توسعيٌّ على أنه مقاومة ..
وأن يُغلف النفوذ بغطاء المظلومية ..
وأن يُطلب منا أن نغض الطرف عن دماء سالت باسم التمكين والتسلُّل تحت مظلة تحرير فلسطين ..
محاسبة القتلة والمجرمين والفرح بسقوطهم في ميادين القتال ليست طائفية.
والمساءلة ليست كراهية.
ونقد المشروع الإيراني لا يعني الاصطفاف مع مشروع آخر …
بل يعني ببساطة:
أن الدم العربي ليس تفصيلًا في لعبة أمم….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة