الخطر الحقيقي لا يبدأ بالصواريخ، بل يبدأ بالفكرة…
في لحظات الاحتقان الإقليمي، لا تتحرك الجبهات العسكرية فقط، بل تتحرك أيضا الجبهات النفسية…
تتغير اللغة، يُعاد تعريف البطولة، وتختلط الأخلاق بالعاطفة….
فجأة يصبح التعاطف موقفا، والموقف تعبئة، والتعبئة استعدادا للانفلات.
التعاطف مع دولة ما – مهما اختلفنا معها – يظل في نطاق الرأي…
لكن حين يتحول التعاطف إلى تعبئة ميدانية وتحشيد، أو إلى تبرير لتخريب الداخل باسم “المظلومية”، ينتقل الأمر من مساحة السياسة إلى مساحة القانون.
الشعارات لا تُكّك الدُول.. ولكن حين يتحول الشعار إلى فعل يُربك الأمن العام أو يُعرّض المصالح الوطنية للخطر… عندها يجب أن نهتمّ بكُل كلمة وشعار وتحشيد وتهديد يصدر ممن يوزعون الاتهامات من مثل الصهينة والعمالة على كُل من لا يتعاطف مع إيران !
التجارب حولنا واضحة…
حين تُستثمر المظلومية في الشارع، تتسع الفجوة بين الدولة وجيل يشعر أنه يخوض معركة أكبر من قدرته على تقدير تبعاتها….
ومع تكرار صور الألم، يتكون في العقل الجمعي وعي باطني خطير:
أن “أي شيء” يصبح مبررا.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن الدولة – أي دولة لا الأردن فقط – هي الإطار الذي يحمي الجميع.
وإذا انهار الإطار باسم الأخلاق، تضيع الأخلاق نفسها.
تخريب وطنك لا ينصر أحدا….
وإضعاف مؤسساتك لا يحرر أرضا ..
والانجراف خلف خطاب “تعبوي شعبوي دنيء” يمنح شعورا لحظيا بالبطولة
لكنه يترك فراغا طويل الأمد في الاستقرار والثقة….
نعم، الأردن – كغيره – واجه محاولات تسلل واختراق تحت شعارات متعددة. هذا ملف أمني تتعامل معه المؤسسات، لا المجالس….ولا منصات السوشال ميديا..
لكن الخطأ القاتل هو أن نخلط بين اختراق أمني محدود وبين مجتمع كامل.
ليس كل انحياز رأي تهديدا…. لكن أي فعل يمس الأمن يُحاسَب.
ومن تلك الأفعال أن تتهم الناس بما ليس فيهم .. !
الفارق بين الرأي والفعل هو الفارق بين السياسة والجريمة…
والقانون وُضع ليفصل بينهما بدقة، لا ليُستبدل بمحاكم شعبية.
الأردن ليس فسيفساء متناحرة، بل مجتمع مركّب عاش معا عقودا،
وتحمّل أزمات أكبر من هذه….
وأخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن يتحول الصراع الخارجي إلى شرخ داخلي، أو أن يتحول الخوف إلى ريبة متبادلة.
الاختراق لا يأتي فقط عبر السلاح، بل عبر زرع الشك….
وأي جهة معادية تراهن أولا على تفكيك الداخل قبل أن تضرب الخارج.
الحكمة ليست في قمع المشاعر، بل في توجيهها… ولا في شيطنة الشباب المُتعاطف مع إيران باسم جراح أهلنا في غزة، بل في تحصينهم.
المعركة الحقيقية ليست فقط بين دول، بل بين عقل منضبط وعاطفة منفلتة.
والتماسك الداخلي هو الرد الأقوى على أي عداء خارجي.
البطولة ليست أن تهز وطنك باسم قضية ..
بل أن تحمي وطنك ليبقى قادرا على دعم أي قضية….
الداخل المستقر هو شرط الموقف الأخلاقي المؤثر…
أما الداخل المشتعل، فلا يخدم إلا من يريد للمنطقة كلها أن تبقى في حالة اضطراب دائم….
فلننتبه جيدا يا أبناء التراب و الدم والدين:
الخطر الحقيقي ليس في التعاطف العادي التقليدي،
بل في فقدان الثقة بين أبناء البلد الواحد.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة