يُشير الحُكماء إلى أن المال الذي نتركه وراءنا لا يختلف كثيرا عن الماء الراكد الذي لا يشربه أحد… يبقى في البنوك مجرد أرقام باردة، بينما العمر الذي احترق في جمعه يتبخر مثل بخار فوق قِدر سلق الذُرة.
رجل أعمال صيني مات وترك خلفه مليارا وتسعمائة مليون دولار..
زوجته تزوجت سائقه بعد أيام…
قال السائق جُملة تساوي كل فلسفة الاقتصاد:”كنت أظنني أعمل عند سيدي، واكتشفت بعد موته أن سيدي كان يعمل عندي”
!
هذه الجملة ليست نكتة، بل صيحة يقظة…
فالقضية ليست من يملك، بل من ينتفع…
ليست من يجمع، بل من يعيش…
في النهاية، المال الذي لا يلامس يد صاحبه هو ملك لآخر، حتى ولو حمل اسمك في دفاتر البنوك ودائرة الأراضي …
في كتاب “الحكمة المتأخرة” يقول الألماني شوبنهاور:
ليس الغِنى أن تملك ما هو كثير، بل أن تستغني عما هو زائد.
ونحن اليوم نعيش في عالم قام على تقديس الزائد، لا الضروري.
هو عصر “السبعين في المائة” الفائضة التي لا ننتفع بها، ولا نعرف لماذا جمعناها.
انظر إلى هاتفك الذكي:
سبعون في المائة من خصائصه لا نستخدمها…
أقوى الكاميرات، وأوسع الذاكرات، وأقرب المزايا، كلها مجرد ترف رقمي لا يصنع حياة…
وانظر إلى السيارة الفارهة:
سبعون في المائة من سرعتها لا نحتاجها.
المهم أن تصل، لا أن تنفجر عداداتك فخرا وأنت تجلس في زحمة الطريق.
وانظر إلى خزانتك:
سبعون في المائة من الملابس مُعلّقة تنتظر مناسبة لا تأتي ..
لأن الحياة لم تُصنع ليكون يومنا مسرحا للعرض.
وانظر إلى البيوت:
قصور لا تدخلها الشمس إلا في غرفة واحدة ..
زاوية واحدة نُفضّل الجلوس فيها وناحية واحدة فوق الأريكة نتسابق للجلوس عليها !
غرف فارغة تُشبه حياتنا التي امتلأت بكل شيء إلا بما نحتاج ..
المال الذي نعمل العمر كله لأجل جمعه
سيذهب في النهاية لغيرنا…
سيرثه ابن لم يعرف كم بكينا من أجل لقمة وكم سهرنا من أجل بحثٍ بقيمته دفعنا فواتير تبريد غرفته في الصيف او تدفئتها في الشتاء !
او ربما ترثه زوجة ستنفقه مع من لم نُبصر له وجها في حياتنا ..
أو دولة ستسحب عليه ضرائب بعد موتنا
ونحن ننام في حفرة لا تسع حتى هاتفنا القديم…
ولهذا يجب أن نحمي الثلاثين في المائة التي تبقى لنا
لأنها هي الحياة الحقيقية،
هي العمر الذي لم نره،
هي الصحة التي أهملناها،
هي الجسد الذي تآكل بينما ننفخ حساباتنا البنكية.
احرص على جسدك
حتى لو ظننت أنك بخير،
فالمرض لا يستأذن
والقوة تختفي مثل ضوء الغروب.
اشرب الماء
حتى وإن لم يصرخ جسدك عطشا،
فالعطش الصامت يقتل أكثر مما نتوقع.
تجاوز
حتى وإن كنت على حق،
فالقلب الذي يحمل كل المعارك أرض بور…
تنازل !
حتى وإن غلبك المنطق،
فالصلابة المفرطة تكسر صاحبها.
ابقَ متواضعا
حتى وإن كنت قويا، غنيا، مشهورا،
فالكِبر يجعل الإنسان فقيرا مهما امتلك.
تدرّب …
على أن يكون ذهنك يقظا وجسدك مرنا،
فالكسل بداية الشيخوخة
حتى لو كنت في العشرين.
أمّنح وقتك لمن تُحب
حتى وإن كنت مشغولا،
فالذين نُحبهم هم الجزء الذي لن يرثه أحد بعد موتنا…
واجعل لآخرتك نصيبا مما تجمع،
فالمال الذي يصل قبل أن تصل
هو الوحيد الذي يبقى معك في النهاية…
هو الإدخار الحقيقي
أما الباقي
فهو مجرد عرض زائل
كبالون يرتفع قليلا
ثم ينفجر.
الحكمة ليست أن نعيش طويلا
بل أن نعيش كما يجب،
وأن نعرف قيمة ما نملك
قبل أن نعرف مصير ما نترك.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة