في مدينة نوتنغهام الإنجليزية، يقبع نصب تذكاري لرجل يرتدي ملابس تشبه ملابس العصور الوسطى، ويمسك بيده قوسًا وسهمًا، واقفًا في وضعية قتالية واضحة.
هذا التمثال لشخصية شهيرة مثيرة للجدل من حيث حقيقة وجودها، ومن حيث صحة الروايات المتعلقة بها، وهي شخصية روبن هود.
تعتبر هذه الشخصية علامة بارزة في الأدب الإنجليزي، وهي من حكايات التراث الشعبي التي تناقلتها الأجيال عبر قرون.
روبن هود شخص عاش في القرون الوسطى وهو خارج عن القانون ويقوم بسرقة الأثرياء وتوزيعها على الفقراء، على الرغم من أن بعض الباحثين يشكك في حقيقة هذه الشخصية، وبعضهم كذلك يشكك في كونه فارسًا شهمًا نبيلًا ويقول إنه كان قاسيًا مستبدًا يستمتع بالدماء.
لكن دعونا نسير وفق السياق الأشهر للقصة وهو كونه فارسًا نبيلًا يسلب أموال الأثرياء والإقطاعيين ويوزعها على الفقراء.
من يشاهد الأفلام العديدة التي أُنتجت حول شخصية روبن هود، والشخصيات المماثلة في الدراما العربية، من حيث منحى السرقة من أجل الفقراء، غالبا ما يتعاطف مع هذه الشخصية، فهو ينظر إلى جانب واحد من القصة وهو تحقيق الفائدة للفقراء، لكنه يغفل عن الجانب الآخر وهو سرقة الأثرياء وسلبهم أموالهم، وكأنّ الغنى والثراء جريمة، وكأن السرقة سبيل مشروع لتحقيق العدالة الاجتماعية، مع أن هناك وسائل أخرى كان يمكن أن يفيد بها الفقراء لمواجهة شظف العيش، كجمع التبرعات مثلًا أو تعليمهم حرفة يتكسبون منها أو توفير بيئة أخرى لهم تستوعبهم، كمساعدتهم في الهجرة إلى أرض أخرى يجدون فيها رغد العيش.
هذا الاتجاه النفسي للمتلقي الذي يتعاطف مع السارق الذي يسلب الغني ويعطي الفقير، يكون حاضرًا كذلك لدى البعض عند مشاهدة فيلم أو قراءة رواية أو حتى معاينة حدث واقعي، يتضمن علاقة عاطفية بين امرأة متزوجة ورجل يمنحها المشاعر التي حرمت منها مع زوجها الجامد المادي النائي عن الرومانسية، والذي لا يحسن الغزل والتدليل.
كثيرًا ما يحدث التعاطف مع هذه الزوجة، ويلتمس المتلقي لها العذر بسبب إهمال الزوج، والذي يشعر المتلقي بالسخط نحوه، مع أنه في حقيقة الأمر قد ظُلِم، مع أنها بالأساس كان يمكن أن تفارقه بشكل رسمي إذا رأت استحالة العشرة معه.
الأمر شبيه برياضة مصارعة الثيران أو «لا كوريدا تي توروس»، ذلك التقليد الذي اشتهرت به عدة دول، أبرزها إسبانيا على مدى قرون، حيث يتعاطف المشاهد مع البطل الشجاع الذي يستفز الثور ويثير غضبه، يوجّه الحربة إلى جسده مرات حتى يستنزف قوته إلى أن يسدد له رمية الموت، وسط هتاف الجماهير، مع أن حقيقة المشهد هو الخروج عن الإطار الإنساني وتعذيب الحيوان بهذه الطريقة البشعة، ومع ذلك يتعاطفون مع الإنسان القاسي الذي يشتهر ويسلي الناس بهذه الوحشية.
هذا التعاطف السلبي يعد إخلالًا بميزان العدل، واستحسانًا للمساوئ بتسويل الهوى، والذي يمكن أن يحول أي عمل قبيح إلى حسن، ويؤصل مفهوم الغاية تبرر الوسيلة، والقفز على حتمية مشروعية الوسائل ومشروعية الغايات معًا.
فانطلاقًا من هذا المنحى السلبي يمكن أن يُستساغ قتل الظالم – حتى وإن كان ظلمه لا يستوجب القتل- بحجة أنه دفاع عن المظلومين، فتتحول الحياة إلى غابة، وهذا ما لا يقوله عاقل.
وبهذا المنطق المعيب أيضًا، سنجد من يتعاطف مع الوجود الصهيوني في فلسطين، ويسلب عنه صفة الاحتلال، انطلاقًا من التعاطف مع تشرد وتشرذم هذه الطائفة في دول العالم وأن من حقهم أن يكون لهم وطن يجمعهم.
أصحاب هذا الاتجاه النفسي مدفوعون بغلبة العاطفة وطغيانها على المنطق والعقل لديهم، أو ربما تلامس القصة أو الحدث شيئًا من أحوالهم وأزماتهم، فيتحولون بشكل تلقائي إلى استحسان الخطأ، لا لشيء إلا لأنه يسد ثغرة نفسية لديهم.
العاطفة المحضة لا تصلح محركًا أو موجهًا لاتخاذ المواقف إلا إذا وافقت العقل، فالعقل قد أنعم الله تعالى به على الإنسان ليدرك الحقائق، وجعل الشرع المنزل موجها ومرشدا لذلك العقل ومنظمًا لعمله نظرًا لاختلاف العقول في قدراتها واستيعابها ونسبة إدراكها وطريقة عملها.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة