منذ أن لوّح ترامب بفكرة تصنيف «بعض فروع الإخوان» كمنظمات إرهابية، بدا واضحا أن واشنطن لا تتعامل مع التنظيمات بوصفها ملفات قانون فقط، بل بوصفها أدوات ضغط، وخرائط ابتزاز، ورسائل انتخابية…
فحين يُقال «إرهاب» في القاموس الأميركي، لا يعني دائما فعلا إجراميا مُعرّفا بقدر ما يعني «خصما صالحا للتجريم» إذا احتاجت السياسة إلى خصم….
لهذا جاء الحديث عن «عملية» تقودها الخارجية والخزانة وتقرير خلال مدة محددة، لا عن حكم قضائي مكتمل الأركان، وكأن التهمة تُطبخ على نار المصالح ثم يُبحث لها عن ثوب قانوني يليق بها.
وفي ميزان الأخلاق، لا يجوز أن نُسلم رقاب مجتمعاتنا لمنطق التصنيفات الفضفاضة:
– فالتجريم حين يتسع يصير شبكة تصطاد الأفراد قبل التنظيمات،
– وتُربك العمل الخيري قبل العمل السياسي،
-وتفتح بابا لتصفية الحسابات عبر البنوك والتأشيرات واللجوء، لا عبر المحاكم والبراهين.
ثم إن التناقض الفادح هنا أن من يبارك هذا المسار في تل أبيب، يباركه وهو غارق في دم أهل غزة، وكأن القاتل يمنح شهادات حسن سيرة لمن يختلف معه…
فإذا كان معيار «الإرهاب» مبدئيا حقا، لبدأت لوائح الاتهام من حيث تُسفك الدماء علنا لا من حيث تُصاغ الخصومات على الورق.
لكن الأهم عندي، وأنا أكتب من ذاكرة عربية مثقلة بالخسارات، أنني لا أرى في هذا القرار «حربا على الإخوان» بقدر ما أرى فيه حلقة جديدة من حرب أوسع على المجال الإسلامي كله: على الجمعيات، وعلى الهوية، وعلى الحق في التنظيم السلمي، وعلى كل صوت يرفض أن يكون الإسلام نسخة للاستهلاك الأميركي.
نعم، للإخوان ما لهم وعليهم ما عليهم، وللحكومات اعتبارات أمن وسيادة تُفهم وتُناقش، لكن تحويل النقاش إلى «شيطنة شاملة» بقرار خارجي، هو نقل لمعركة الداخل إلى يد الخارج، وتسليم لمفاتيح المعنى لمن لا يدفع ثمن الفوضى حين تشتعل.
عشرات الرسائل وصلتني منذ ساعات تسألني عن موقفي مما يجري، وعن رأيي في جماعة الإخوان المسلمين، وعن طبيعة علاقتي بهم، وموقعي منهم اليوم….
والحقيقة الأوضح -وسأبدأ من حيث انتهى السؤال- أنني لا أملك موقعا عندهم، لأنني ببساطة لست منهم.
لم أُولد في تنظيمهم، ولم ينتمِ أبي ولا جدّي إلى صفوفهم، وفي منطق الجماعات المُغلقة لا مكانة لمن لم يكن من السلسلة، ولا تقدير لمن لم يحمل الشارة منذ البدء.
وبمُنتهى الصراحة والوضوح:
دعمتُ جماعة الإخوان المسلمين أكثر من خمسة عشر عاما، بالكتابة والجهد البحثي والإعلامي.. لا بوصفهم تنظيما سياسيا فحسب، بل بوصفهم ـ في وعيي آنذاك ـ ضحية كبرى لسردية الظلم العربي الحديث…
كنتُ أرى فيهم المقموعين الشرفاء دائما، وأرى في خصومهم الأنذال الجلادين طيلة الوقت… وهذا، في ذاته، أول أخطاء الوعي حين يتحول “التعاطف” إلى عدسة وحيدة يرى بها العالم…
يقول غوستاف لوبون: «أخطر ما في القناعات أنها تعفي صاحبها من التفكير»، وأنا أعترف اليوم أنني أغلقتُ أُذُني طويلا عن وجهة نظر الحكومات والأنظمة التي اصطدمتُ بهم، لا لأن تلك الأنظمة كانت دائما على حق، بل لأنني افترضتُّ سلفا أن كل من يعارض الإخوان… يُعادي الإسلام نفسه.
لم أُحسن الإنصات للتناقضات….
لم أسأل بالقدر الكافي لماذا يُرفض الشر في موضع، ويُبرّر أو يُغضّ الطرف عنه في موضع آخر إذا تغيّر الفاعل وتبدّلت الجبهة….
لم أتوقف مليّا أمام خطاب يرفع راية الأخلاق حين تخدمه، ويؤجلها حين تُعيق مشروعه…
والحق أن الفكر الذي لا يحتمل سؤال الاتّساق، لا يصمد طويلا أمام محكمة الزمن…
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «اعرف الحق تعرف أهله»،
ولم يقل ” اعرف الرجال لتعرف الحق بهم” !
وما لم أتوقعه ـ وكان صادما لي على المستوى الإنساني قبل السياسي ـ هو أن أرى ذبابا إلكترونيا يُنسب إلى هذا التيار بل ويُستعان به ويُشكر علانية من قبل بعض الأسماء المحسوبة على الجماعة، ذباب يمارس أبشع ما في السياسة: الشتيمة، والتشهير، والطعن في الأعراض، والتشكيك بالنزاهة والدخول بالنوايا وتكفير الخصوم أخلاقيا إن لم يكن دينيا.
عندها أدركتُ أن التنظيم الذي يعجز عن تهذيب لغته في الفضاء العام، لا يمكنه أن يدّعي احتكار القيم في الواقع….
فالأخلاق لا تُجزّأ، ولا تُؤجَّل، ولا تُستعار عند الحاجة….
نعم، أعدتُّ النظر فيهم، وأعدت النظر في نفسي قبلهم…
لكن إعادة النظر لا تُشبه الانقلابات الرخيصة على صعيد المبادئ والقيم، ولا علاقة لها بالقفز الأرعن من معسكر إلى معسكر، وليست اصطفافا أعمى مع السلطة ضد المجتمع والناس والمقموعين ومن تنزف جراحهم بالفعل ..
إنها مراجعة عقل وضمير، لا ثأر موقف. …
وهي لا تعني ـ ولن تعني ـ القبول بشيطنة جماعية، ولا تسويق الأكاذيب، ولا منح الأنظمة صكّا مفتوحا لتجريم كل مُعارض تحت لافتة واحدة… او اتهام أي فرد ينتمي لجماعة الإخوان المُسلمين بما لم يفعل..
بين النقد والتشويه حدّ أخلاقي، ومن يتجاوزه يخدم الاستبداد لا الحقيقة…..
لقد تعلمت متأخرة ـ وربما متألمة ـ أن أخطر ما يصيب أي حركة، دينية كانت أو سياسية، هو حين تتحول من اجتهاد بشري قابل للنقد إلى هوية مقدسة، ومن مشروع إصلاحي إلى سردية عصمة…
عندها لا يسقط الخصوم فقط، بل يسقط معها الوعي الذي ظن أنه يدافع عن الدين، فإذا به يدافع عن صورته الذهنية لا عن قيمه.
وهذه المراجعة، مهما تأخرت، ليست ضعفا….
الضعف الحقيقي أن نُبدّل تعصبا بتعصب، وصنما بصنم، وأن نغلق عقولنا مرة أخرى، ولكن هذه المرة باسم “الخبرة” لا باسم “الحماسة”…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة