العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما ..
كما أنّ ليست كل امرأة قوية وذكية ومتعلمة ولامعة .. هي بالضرورة حُرّةٌ من القيود النفسية غير المرئية….
أخطر القيود تلك التي لا تُرى .. ولا تُفرَض بالقوة .. بل تُزرَع في الداخل
وتُسمّى زورا: “قِيَمًا”
تلك التي تُقنِع المرأة، منذ طفولتها، أنّ الحب لا يأتي إلا مشروطا ..
وأنّ القبول يُكافَأ، وأنّ القيمة تُستَحق ولا تُمنَح.
**حين يُربّى الإنسان على أن يكون نافعا قبل أن يكون محبوبا، يكبر وهو يخلط بين العطاء والنجاة**
في العمق، لا نتحدث عن امرأة تُحبّ الإنقاذ، وتدُقّ على صدرها كُلّما لمحت تمزّقا في الأرجاء أو غرقا أو نحيبا ..
بل نتحدّث عن طفلة تعلّمت أن الحب يُنتَزع انتزاعا :
“كوني شاطرة لكي تحصلي على كذا “
“تحمّلي عشان تنبسطي بعدين بكذا “
“لا تُتعِبي أحدًا وراح تشوفي نتائج ذلك “
“وجودك يجب أن يكون مفيدا لكي يعتادوا عليك ويحبوكِ “!!!
فتكبر تلك الطفلة وتحمل مسؤوليات لم تكن لها، وتشعر – دون أن تُسمّي الشعور-
أن عليها أن تُرضي الجميع كي يُسمَح لها بالبقاء….
هكذا يتشكّل الجرح:
-حبٌّ مشروط
-وأمانٌ مؤجَّل
-وقيمةٌ مرتبطة بحُسن الأداء أو كفاءة العيش المُشترك..
*والحقيقة:
أن الطفل الذي لا يُحَب لذاته، سيقضي عمره يُؤدّي أدوارا ليست له كي لا يُترَك ..
تلك هي البرمجة الاجتماعية حيث حوّلت التضحية إلى هوية ومنهج ..
ثم تأتي الثقافة لتُكمل ما بدأه الجرح….
-“المرأة الأصيلة تتحمّل وتسكت”
-“المرأة القوية لا تشتكي”
-“المرأة الحقيقية التي يعنيها سمعة أهلها تُضحّي”!
ويُقال ذلك لا بوصفه قهرا، بل مديحا !
فتظنّ المرأة أنّ الاحتراق بطولة ..
وأنّ الصمت على الظُلم نُبل ..
وأنّ الغياب عن ذاتها شرف…
لكن الحقيقة أبسط وأقسى:
هذا ليس تمجيدا… هذا تطبيع مع الاستنزاف والتمزُّق الداخلي.
“أخطر أشكال القهر هو الذي يُقدَّم على هيئة مديح يا قوم !”
وتصل المرأة إلى مرحلة لا تعرف فيها نفسها إلا وهي تُنقِذ الآخرين ..
قيمتها في أن تُصلِح ..
في أن تحتوي…
في أن تتحمّل….
تأخذ قيمتها من كونها “مهمة” للترقيع !
لا من كونها “موجودة” ..
وحين لا تكون مطلوبة … تشعر بالفراغ ..
بالذنب
بعدم الاستحقاق….
فتعود للعطاء…
لا حبًّا بالعطاء ، بل خوفًا من أن تُصبح غير مرئية….
“بعض النساء لا يُنهكهنّ الآخرون، بل يُنهكهنّ الخوف من أن لا يحتاج إليهنّ أحد”
وهنا تأتي الحكمة، لا الاتهام….
فليس كل رجلٍ في هذه المعادلة مُستَغِلًا للمرأة عن سبق إصرار ..
لكن بعض الرجال يتعوّدون – بغير وعي – على امرأة تقوم بكل شيء.
تحمل وتتحمّل .. تُبرّر ظُلمه او قهره أو تقصيره ..
تتأقلم مع عدم احترامه لها او تقديره لمكانتها .. وتؤجّل نفسها …
فيحسب الأمر حبًّا، وهو في جوهره اعتياد.
“أسوأ أنواع الاستغلال هو ذاك الذي يحدث بلا نية، لأن أحدًا لا يشعر أنه مسؤول عن إيقافه”
أما الشعور بالذنب فهو السجّان الداخلي :
فحين تحاول المرأة أن تتوقّف، أن تضع حدًّا، أن تقول “لا أستطيع” أو تعبت …
ينهض الذنب:
أنتِ أنانية
أنتِ تغيّرتِ
أنتِ خذلتِ
ما هكذا تفعل بنت الأصول !
**فتعود، وتُكمِل العطاء، حتى وهي تنزف !
“الذنب لا يمنعنا من إيذاء أنفسنا، بل يمنعنا من إنقاذها”
هي ليست ضعيفة… لكنها غير محميّة ..
المرأة المُنقِذة ليست هشّة ..
هي قوية، قادرة، واعية.
لكنّ قوتها بلا حدود، وبلا حماية داخلية، وبلا إذنٍ لنفسها أن تُحبّ دون مقابل.
تحتاج أن تتعلّم -لا أن تتغيّر – أن قيمتها ثابتة
حتى وهي لا تُنقِذ أحدًا …حتى وهي لا تُصلِح فوضى أحد…
حتى وهي لا تُضحّي من أجل أحد ..
كما يحتاج الرجل المُحترم إبن الأصل والفصل أن يتعلّم أن الحب ليس خدمة،
وأن الشراكة لا تُقاس بما يُقدَّم له، بل بما يُبادله.
====
هذه ليست دعوة لجلد النساء لأنهنّ يُعطينَ الرجال ..
ولا لإدانة الرجال لأنهم يستفيدون ممن ارتضت أن تعيش دور المُنقِذة ..
هذه دعوة للفهم.
أن نسأل:
متى تحوّل الحب إلى وظيفة؟
ومتى صار العطاء شرطًا للقبول؟
ومتى خُدعنا باسم الفضيلة؟
|الحبّ الذي لا يسمح لك أن تكون إنسانا كاملا، ليس حبًّا، مهما كان عذبا وجميلا”
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة